أنسٍ فقالَ لي بصورةٍ مفاجأةٍ:"الوفاء في الناس قليل يا صاحبي! وأكثر الناس لا يعرفون الأخوّة المخلصة، وإنّما صداقة المصالح العاجلة .. وأنا أعدّك يا فلان من خلّص أصدقائي الأوفياء فأوصيك بأولادي خيرًا إن أنا متّ قبلك! فقلت له: ما هذا الكلام الآن.؟! أنت دائمًا تحبُّ المزاح الثقيل!"
فقال لي: إنّني لا أمزح .. بل أحسّ أنّ أجلي قريب .. فأحسست برهبة من كلامه، وضاق به صدري، وانقبضت نفسي .. ولكنّني غلّبتُ على كلامه الوهم، وعدتّ به إلى ما كنّا فيه من الحديث مرّة أخرى ..
ثمّ جاءني خبر وفاتهِ كالصاعقة .. حادث سير مروّع، اختلطت فيه أشلاؤه بحديد سيّارته، وزاد المصيبةَ في نفسي حديثُه إليّ قبل يوم .. وقد ترك من بعده أربعة أطفال، وزوجة في ميعة الصبا .. وعزمت في سرّي أن أكفل أسرته حتّى الموت .. وجاءتني الوالدة بعد مدّة يسيرة، تطلب منّي أن أخصّصَ لأسرة أبي المحاسن مساعدة شهريّة، فالمرأة عندها أربعةُ أطفال .. وزوجها لم يترك من بعده شيئًا يذكر من نَشَب الدنيا .. فقلتُ لها: وهَل لها في خير من ذلك.؟ قالت: وماذا؟ قلت: أتزوّجها! قالت: وهل أنت جادّ فيما تقول؟ قلت: ولم لا أكون جادًّا؟! قالت: وأمّ عاصمٍ! وكانت تظنّ أنّي لا أتزوّج على أمّ عاصم، لما ترى من فرط حبّي لها، فقلت لها: إنّها امرأة مُؤمنة، وهي على يقين أنّه لا يكون شَيْء من ذلك إلاّ بقضاء الله وقدره .. وقد وطّنت نفسها على الصبر، وتقبّل هذا الأمر ..
ثمّ جاءتني الوالدة بعد أيّام تقول: إنّ فلانة لا ترضى بعد زوجها بأحد .. وهي تريد أن تتفرّغ للعمل الخيريّ، وتقول: هل مِنَ الوفاء لصديقك أن تتزوّج امرأته بعد وفاته.؟! فقلت لها: إنّ مفهوم الناس عن الوفاء غير صحيح .. فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيّد الأوفياء، ومنه يتعلّم الناس البرّ