وبعد صلاة العصر تلقّيتُ مُكالمةً من شُعبةِ حوادثِ المرور أنّ زوجتي في المستشفى، وهي مصابةٌ بحادث مروريّ .. وسارعتُ إلى المستشفى، فأدركتها وهي في الرمق الأخير، فنظرَت إليّ .. وأرسلَت دمعةً سَخيّةً من عينيها .. وكأنّها تعتذِرُ عن عدم استجابتِها أنّ القدرَ ساقَها إلى مضجعها .. وبعد نصف ساعة تقريبًا .. رفعَت أصبعَها بالشهادة .. وفاضَت روحها إلى بارئها .. وانتهى كلّ شيء ..
ووقفتُ ذاهلًا أمامَ هذا المشهد، وتكرّرَ على لساني مرّاتٍ عديدة قولُ المؤمنين الصابرين: { .. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) } [1] .. وعادَت بي الذكرى إلى مَشهد وَفاة أمّ الوفاء .. وما جَرّ على حياتي مِن مَآسٍ نفسيّة، وأوضاع أليمة .. ووصَلَت بي الذكرى إلى الحياةِ عندَ الشيخِ معروف، فكانَت كالسكِينةِ، تنسكِبُ في قَلبي، فتَمنحُني تجلّدًا عجيبًا لا عهد لي بمثله .. وقفزَت إلى خاطري مواعظُ شتّى طالما سمعتها من الشيخ معروف ..
* نَصيبُك في حياتِكَ مِن حَبيبٍ نَصِيبُكَ في مَنامِكَ مِن خَيالِ
رماني الدهر بالأرزاء حتّى فؤادي في غشاء مِن نِبالِ
فصِرتُ إذا أصابَتني سِهامٌ تَكسّرَتِ النصالُ على النصالِ
* والناسُ همُّهُمُ الحياةُ ولا أرى طُولَ الحياةِ يَزيدُ غيرَ خَبالِ
وإذا افتقرتَ إلى الذخَائِرِ لم تجِد ذُخرًا يَكونُ كصَالِحِ الأعمالِ
* ألا إنّما الدنيا نَضارَةُ أيكةٍ ... إذا اخضرَّ مِنها جَانبٌ جَفَّ جانبُ
هيَ الوهمُ مَا الآمالُ إلاّ فَجَائعٌ ... عَلينا ولا اللذّاتُ إلاّ العَطائبُ
وما لذّةُ الأولادِ والمالِ والمُنى ... لدينا ولا الآمالُ إلاّ مَصَائِبُ
(1) ـ من سورة البقرة.