مُتعةُ المُحِبّة، بَهجةُ الناظر، وأُنسُ السامر، فقالتْ والدتي: أنّى لك يا بنيّ! بمثل هذه الفتاةِ.؟! أو تطلب الحور العين، أم تحسب أنّك في زمن الصحابة أو التابعينَ.؟! حسبك مِن فتاة أن تكون مؤدّية للفرائض، مجتنبة للكبائر، بعيدة عن الشبهات والريب، مِن مَنبَتٍ طيّب، وأسرة كريمة ..
فقلتُ لها: إنّ الفضلَ بيد الله يؤتيه كيف يشاء، فلا عليك أن تبحثي لي عمّا انعقدت عليه نيّتي، فإن لم تجدي فذلك عذري أن أعيشَ حياة العزوبة إلى أن ألقى وجه ربّي ..
ولم يمض على هذا الحوار سوى شهرين، وكان سرًّا من أسرارِ البيوت، لم يُطلَع عليه أحد، إذ ضمّني لقاء عابر بأخٍ كريم، طال عهدي به، فسأل عن أحوالي، وعرف عزيمتي على الزواج، فقال لي: ما رأيك ببنت فلان.؟! لقد ذكرك بخيرٍ منذ أيّام، وتمنّى أن يحظى بمثلك لإحدى بناته.! فعَجبتُ لقوله، فأنا أعلم أنّ له شروطًا شديدة، ولا يعجبه العجب كما يقولون .. فقال لي صاحبي: لا تظلمِ الرجل، وأنت لم تسمَع مِنه، ولم تحاوره، فما أكثر ما يسيء الناس إلى الخيار، بقصدٍ أو غير قصد .. فطويتُ الحديث، وأسررتُ الأمر في نفسي .. وبعدَ أيّام كنتُ وجهًا لوجهٍ أمام قدري .. أمام والد فتاة الأحلام .. فتاة خطبها الأغنياء وأبناء الكبراءِ فردّهم والدهَا كما يُردّ السوقةُ عن موائدهم وأبوابهم، ولا يُبالَى بهم ..
فكان التعارف من قريب والتآلف، فكأنّنا متعارفون من زمن بعيد، وتيسّرت الأمور، وحلّ الهناء والحبور، فكانت الخطوبة جدّ ميسورة، والحفلات بُعَيدَها بهيجة مبرورة ..