والاعتراف بالجميل الذي قدّمته لها .. بل كنت أسمع منها بين الحين والآخر ما يؤذي مشاعري، ويجرَح كرامَتي .. فأعاتبها، وأذكّرها بحسن معاملتي معها، ولكنّني لا أسمع منها اعتذارًا أو تأسّفًا، وإنّما تقول لي: إنّما تفعل واجبك .. فأتناسى كلّ شيء، وأعلّل النفس بالصبر، فلعلّ الأيّام تُسعفني بإصلاح ما عجزتُ عن إصلاحه .. والزمن كما يقولون جزء من العلاج .. ودخلت البيت ذات يوم بعد رحلة عمل كنت فيها بمصلحة الشركة التي أعمل فيها، فرأيت البيت تخيّم عليه سحابة من الحزن والكآبة .. وكأنّ كلّ شيء فيه ينمّ لي عن ريبة .. وناديت بأعلى صوتي طفليّ الصغيرين بما كنت أناديهما به من كلمات المداعبة، ومقاطع الأغنيات التي ابتدعتها روح الأبوّة .. وكأنّني كنتُ أتجاهل الريبة التي تنبعثُ من أعماق كياني .. فلم أسمع لندائي أيّ صدَى .. وطفت أرجاء البيت غرفة غرفة .. ودخلت المطبخ والحمّام .. فلم أجد أثرًا لزوجة أو ولد .. وضَجّتِ الريبةُ بنفسي، وثار الخوف بداخلي .. فدخلت حجرة النوم، فوجدت ورقة صغيرةً مُلقَاة على سريري، وعليها الكلمات التالية: ("عزيزي أبا سيّار! لقد سئمت الحياة الرتيبة التي نحياها .. وقرّرت أن أعيش مع أولادي بصورة أخرى .. الحرّيّةُ خيرُ ما يعيشه الإنسان .."الإنسانة التي عرفتك! أم سيّار) فطار صوابي .. وهرعت إلى الهاتف لأتّصل بأهلها، ففوجئتُ بالهاتف مفصول الحرارة .. وخرجتُ من البيت فاتّصلتُ بأهلها، فلم يكنْ عندَهم أيّ خبر.! واتّصلتُ بالمصرف فوجدتها قد كنست حسابي بمكنسة الثقة التي وضعتها في غير محلّها .. فسحبت منه ما أملك، وما جمعته خلال عشر سنوات، وكان تسعين ألف دولار .. بعدما حرمتني أعزّ مَا أملكُ .. طفليَّ اللذين أفدِيهما بكنوز الأرض