بيني وبينها .. وأخشى إن طلّقتها أن تدركني ندامة الفرزدق حين طلق النوّار، فندم ندامة شديدة، حيث لا ينفع الندم، وقال أبياته المشهورة:
نَدِمْتُ ... نَدَامةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا مَضَتْ مِنِّي مُطَلَّقةً نَوَارُ
وَكانَتْ جَنَّةً فَخَرجْتُ مِنْهَا كآدَمَ حِينَ أخْرَجهُ الضِّرَارُ
وَكُنْتُ كَفَاقِئٍ عَيْنَيْه عَمْدًا فأصْبَحَ مَا يُضِئُ به النَّهَارُ
وَلَوْ ضَنَّتْ يَدَايَ بهَا ونَفْسِي لَكَان عَلىَّ لِلقَدَرِ الخِيَارُ [1]
فَأصبَحتُ الغَداةَ ألُومُ نَفسِي بأمرٍ ليسَ لي فِيهِ اختِيارُ
ومَا فَاَرْقتُها شِبَعًا، ولكِنْ رأيْتُ الدَّهرَ يَاخُذُ ما يُعارُ
فَعَيني مَا تَجفّ لها ... دُمُوعٌ وَقَلبي مَا يَقِرُّ ... لَه ... قَرارُ [2]
(1) ـ وفي رواية: ولو أني ملكت يدي وقلبي ... لكان علي للقدر الخيارُ.
(2) ـ انظر مجمع الأمثال 1/ 270/، ويتيمة الدهر 1/ 341/، والمستطرف في كلّ فنّ مستظرف 1/ 457/، وطبقات فحول الشعراء 1/ 42/، وقصّة ذلك أنّ النوار وهي بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي، وكان قد وجهه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى البصرة أيام الحكمين، فقتله الخوارج غيلة، فخطب ابنته النوار رجل من قريش، فبعثت إلى الفرزدق، وكانت بنت عمّه، فقالت: أنت ابن عمّي، وأولى الناس بي وبتزويجي، فزوّجني من هذا الرجل، قال: لا أفعل، أو تُشهدي أنّك قد رضيت بمن زوّجتك، ففعلت. فلمّا اجتمع الناس حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: قد علمتم أنّ النوّار قد ولّتني أمرها، وأشهدكم أنّي قد زوّجتها من نفسي على مائة ناقة حمراء سود الحدق، فنفرت من ذلك واستعدت عليه ابن الزبير فقال له: وفّها صداقها، ففعل ودفعها إليه، فجاء بها إلى البصرة وقد أحبلها، ومكثت عنده زمانًا، ترضى عنه أحيانًا، وتخاصمه أحيانًا، ثمّ لم تزل به حتّى طلقها، وشرط ألاّ تبرح منزله، ولا تتزوّج بعده، وأشهد على طلاقها الحسن، ثمّ قال: يا أبا سعيد قد ندمت، فقال: إنّي والله لأظنّ أنّ دمك يترقرق، والله لئن رجعت لنرجمنّك بأحجارك، فمضى وهو يقول هذه الأبيات .. انظر: المنتظم 2/ 383/.