الصفحة 44 من 173

أو أكون كالكُسَعِيِّ الذي ذهبت قصّته مثلًا في الدَّهرِ خالدًا .. [1] .

(1) ـ قال في لسان العرب:"والكُسَعُ حَيٌّ من قَيْسِ عَيْلانَ، وقيل: هم حيّ من اليمن رُماةٌ، ومنهم الكُسَعِيُّ الذي يُضْرَبُ به المثلُ في النَّدامةِ، وهو رجل رامٍ رَمى بعدما أَسْدَفَ الليلُ عَيْرًا فأَصابَه، وظن أَنه أَخْطأَه، فَكَسَرَ قَوْسَه، وقيل: وقطع إِصْبَعَه، ثمّ نَدِمَ من الغَدِ، حين نظر إِلى العَيْر مقتولًا، وسَهْمُه فيه، فصار مثلًا لكلّ نادم على فِعْل يَفْعَلُه، وإِياه عَنى الفرزدقُ بقوله:"

نَدِمْتُ نَدامةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا ... غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقةً نَوارُ

وقال الآخر:

نَدِمْتُ نَدامةَ الكُسَعيّ لَمَّا ... رأَتْ عيناه ما فَعَلَتْ يَداهُ

وقيل: كان اسمه مُحارِبَ بن قَيْسٍ من بني كُسَيْعةَ، أَو بني الكُسَعِ بطن من حمير، وكان من حديث الكسعيّ أَنّه كان يرعى إِبلًا له في وادٍ، فيه حَمْضٌ وشَوْحَطٌ، فإِمّا رَبَّى نَبْعةً حتّى اتخذ منها قوسًا، وإِمّا رأَى قَضِيبَ شَوْحَطٍ نابتًا في صخرة، فأَعْجَبَه فجعلَ يُقوِّمُه حتّى بلغ أَن يكون قَوْسًا فقطعه، وقال:

يا رَبِّ سَدِّدْني لنَحْتِ قَوْسي ... فإِنَّها ... من ... لَذَّتي ... لنَفْسي

وانْفَعْ بقَوْسي ولَدِي وعِرْسي ... أنْحَتُ صَفْراءَ كَلَوْنِ الوَرْسِ

كَبْداءَ ليسَتْ كالقِسِيِّ النُّكْسِ

حتّى إِذا فرغ من نحتها بَرى من بَقِيَّتها خمسة أَسْهُمٍ، ثمّ قال:

هُنَّ ورَبِّي أَسْهُمٌ حِسانُ ... يَلَذُّ ... للرَّمْي ... بها ... البَنانُ

كأَنَّما ... قَوَّمَها ... مِيزانُ ... فأَبْشِرُوا بالخِصْبِ يا صِبْيانُ

إِنْ لمْ يَعُقْني الشُّؤْمُ والحِرْمانُ

ثم خرج ليلًا إِلى قُتْرة له، على مَوارِدِ حُمُرِ الوحْش، فَرَمى عَيْرًا منها فأَنْفَذَه، وأَوْرى السهمُ في الصوَّانة نارًا، فظنّ أَنه أَخطأَ فقال:

أَعوذُ ... بالمُهَيْمِنِ ... الرحْمنِ ... من نَكَدِ الجَدِّ مع الحِرْمانِ

ما لي رَأَيتُ السَّهْمَ في الصَّوّانِ ... يُورِي شَرارَ النارِ كالعِقْبانِ

أَخْلَفَ ظَنِّي ورَجا الصِّبْيانِ

ثمّ وردت الحمر ثانية، فرمى عيرًا منها، فكان كالذي مَضى من رَمْيه، فقال:

أَعوذُ بالرحْمنِ من شَرِّ القَدَرْ ... لا بارَك الرحمنُ في أُمِّ القُتَرْ

أَأُمْغِطُ السَّهْمَ لإِرْهاقِ الضَّرَرْ ... أَمْ ذاكَ من سُوءِ احْتِمالٍ ونَظَرْ

أَمْ ليس يُغْني حَذَرٌ عند قَدَرْ؟

المَغْطُ والإِمْغاطُ، سُرْعةُ النزْعِ بالسهم.

قال: ثمّ وردت الحمر ثالثة، فكان كما مضى من رميه فقال:

إِنِّي لشُؤْمي وشَقائي ونَكَدْ ... قد شَفَّ مِنِّي ما أَرَى حَرُّ الكَبِدْ

أَخْلَفَ ما أَرْجُو لأَهْلي ووَلَدْ

ثمّ وردت الحمر رابعة، فكان كما مضى من رميه الأَوّل، فقال:

ما بالُ سَهْمِي يُظْهِرُ الحُباحِبَا؟ ... قد كنتُ أَرْجُو أَن يكونَ صائِبا

إِذْ أَمكَنَ العَيْرُ وأَبْدَى جانِبا ... فصار ... رَابي ... فيه ... رَايًا كاذِبا

ثمّ وردت الحمر خامسة، فكان كما مضى من رميه، فقال:

أَبَعْدَ خَمْسٍ قد حَفِظْتُ عَدَّها ... أَحْمِلُ قَوْسِي وأُرِيدُ رَدَّها؟

أَخْزَى إِلَهِي لِينَها وشَدَّها ... واللهِ لا تَسْلَمُ عِنْدِي بَعْدَها

ولا أُرَجِّي ما حَييتُ رِفْدَها

ثمّ خرج من قُتْرَتِه، حتّى جاء بها إِلى صخرة فضربها بها، حتّى كَسَرَها، ثمّ نام إِلى جانبها حتّى أَصبح، فلمّا أَصبح، ونظر إِلى نبله مُضَرَّجة بالدماء، وإِلى الحُمُرِ مُصَرَّعةً حوله، عَضَّ إِبهامه فقطعها، ثمّ أَنشأَ يقول:

نَدِمْتُ نَدامةً لو أَنَّ نَفْسِي ... تُطاوِعُني إِذًا لَبَتَرْتُ خَمْسِي

تَبَيَّنَ لي سَفاهُ الرَّاي مِنِّي ... لَعَمْرُ الله حينَ كَسَرْتُ قَوْسِي

انظر لسان العرب مادّة: (كسع) . يقول الكاتب: وإنّما توسّعت في خبر مثل الكسعيّ لما فيه من العبر الجمّة، والفوائد المهمّة، ففيه إتقان الإنسان لصنعته، وتجويده لها، وسعي الرجل على عياله، واجتهاده فيما ينفعهم ويعفّهم، وأنّ الإنسان قد يتبدّى له الخطأ في الصواب، والصواب في الخطأ، فعلى العاقل أن يكون حليمًا متريّثًا، لا يذهب به أدنى نظر لاعتماد الوهم، وتيقّن الظنّ، وأنّ على الإنسان أن يُغلّب الإيجابيّة في نظره ومواقفه، ولا يكون أسير ظنّه وتشاؤمه، ولا يتعجّل في أمر قبل أن يقدّر عواقبه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت