وصبرت عليها أوّل الأمر، وأخذت أذكر لها فضل العلم والعلماء، وأنّ زوجة طالب العلم شريكة له في الأجر إن صبرت عليه، وكانت عونًا له على الخير .. ولكنّني كنت كمن ينفخ في قربة مقطوعة كما يقولون، فكانت أذنها صمّاء عن كلّ ما أقول .. واكتَشفتُ أنّها لم تنلْ من والدها أيّ حظّ من التربية والتهذيب، والأدب والاحترام .. اللهمّ إلاّ التفاخر بأبيها إن تفاخرت الأخريات بآبائهنّ .. واكتشفت أيضًا ولكن بعد فواتِ الأمر أنّها على صورة أمّها حذو النعل بالنعل، فهي متقمّصة لشخصيّتها من حيث تدري أو لا تدري، فأمّها على هذه الحال مع أبيها .. واستعنت عليها بالله، ثمّ بأبيها .. فلم أجد من أبيها ما يقدّم أو يؤخّر .. واستشرى البلاء بها واستفحل .. وركبت رأسها عنادًا إمّا أن أترك كتبي للمنظر والزينة، وإمّا أن نفترق .. فهي لا تطيق الحياة معي بهذه الصورة .. وكنت كلّما خلوت بنفسي، لم أصدق ما ترى عيناي منها، أو تسمع أذناي .. وبخاصّة عندما أضع بجوار هذه الصورة صورة والدها في نفسي وبين الناس .. ذلك العالم الفاضل الكريم، صاحب الرأي الثمين، والخلق الرزين ..
وانتهى الأمر بيننا إلى الطلاق .. وهو والله أكره ما يكون إليّ، ولم يكن بيننا من مشكلة إلاّ هذه المشكلة فحسب ..
ومكثت بغير زوجة سنتين، كان كلّ يوم فيها أشبه بدهر طويل .. وتعلّمت من هذه التجرِبة المُرّة ما جعلني جبانًا متردّدًا في الإقدام على الزواج في نظر كثير من أهلي ومن حولي .. فلا يلدغ المؤمن من جُحرٍ واحد مرّتين ..
وأخيرًا ساقني القدر إلى ما ينتظرني من خير .. فتعَرّفتُ على رجل غنيّ سريّ، لبيب أديب، في أمسية أدبيّة نادرة، قد أنس بنا المجلس، وطاب لنا الحديث والسمر .. وهيّأ الله لي مَن يعرّفه بي .. وكان من سؤاله