وببلاغة الترجمة ترتفع درجة الوفاء لمضمون الأصل الذي بني على البلاغة في أعلى صورها، والمترجم هنا لا يروم مشابهة كلام الله عز وجل في بلاغته وأنى له ذلك, لكنه يسعى لحسن الأداء لمعاني هذا الكلام العظيم بما يستطيعه ويقدر عليه, حتى يؤثر في قارئه, ويحقق درجة أعلى في الدلالة والدعوة لما فيه من الخير والهدى.
إن من يريد التأثير في بيئة أو جماعة أو شخص لابد أن يتعرف على ظروف تلك البيئة أو الجماعة وثقافتها, ويعتبر ذلك في ما يوجهه إليها.
وقد جاءت رسالة القرآن للناس كافة , لكن ذلك لا يعني بالضرورة تقديمها في وقت واحد أو في صورة واحدة متماثلة للجميع.
فقد نزل القرآن منجمًا وتنزلت أحكامه متدرجة تراعي أحوال من أنزل فيهم.
جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله (1) ، عن عائشة رضي الله عنها قالت:
( ... إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل, فيها ذكر الجنة والنار, حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر, لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا, ولو نزل: لا تزنوا, لقالوا: لا ندع الزنى أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم , وإني لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} (القمر: 46) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ... ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (2) :
"قوله: نزل الحلال والحرام: أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل, وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة, وللكافر والعاصي بالنار, فلما اطمأنت النفوس على ذلك؛ أنزلت الأحكام, ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر, لقالوا: لا ندعها, وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف".
(1) صحيح البخاري , كتاب فضائل القرآن , باب تأليف القرآن: 6/ 101.
(2) فتح الباري: 9/ 40.