"القول في تأويل قوله تعالى {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} (إبراهيم:52) ."
يقول تعالى ذكره:"هذا"- القرآن -"بلاغ للناس", أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم , وأعذر إليهم بما أنزل فيه من مواعظه وعبره.
"ولينذروا به"يقول: ولينذروا عقاب الله ويحذروا به نقماته, أنزله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم.
"وليعلموا أنما هو إله واحد"يقول: وليعلموا بما احتج به عليهم من الحجج فيه أنما هو إله واحد لا آلهة شتى؛ كما يقوله المشركون بالله، وأن لا إله إلا هو الذي له ما في السموات وما في الأرض, الذي سخر لهم الشمس والقمر والليل والنهار, وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم, وسخَّر لهم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لهم الأنهار.
{وليذكر أولو الألباب} يقول: وليتذكر -فيتعظ بما احتج الله به عليه من حججه التي في هذا القرآن فينزجر عن أن يجعل معه إلهًا غيره ويشرك في عبادته شيئًا سواه- أهل الحجا والعقول؛ فإنهم أهل الاعتبار والادكار دون الذين
لا عقول لهم ولا أفهام، فإنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله {هذا بلاغ للناس} ؛ قال: القرآن، {ولينذروا به} ، قال: بالقرآن، {وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} .
قال الزركشي في البرهان (1) :"فائدة: قال الحافظ أبو طاهر السلفي: سمعت أبا الكرم النحوي ببغداد وسئل: كل كتاب له ترجمة , فما ترجمة كتاب الله."
فقال: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به} .
هذا الوحي الوارد في كتاب الله تعالى والمبين بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو هداية الله لعباده مؤمنهم وكافرهم.
(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 282.