.. إن سلوك الجن في بدن الإنسان وصرعه له ونطقه على لسان المصروع أمر مشاهد محسوس، تكاد حوادثه تقع في كل عصر ومصر، ويعد منكره معاندًا مكابرًا للمشاهدة والمحسوس، وأخبار ذلك كثيرة جدًا، شاهدها ورواها العلماء الثقات المشهورون بعلمهم وتقواهم، مما يوجب معه القطع بهذا الاعتقاد. وأنقل هنا طائفة من أقوال العلماء وما جرى لبعضهم من مشاهدات.
جاء في كتاب"طبقات الحنابلة" (1) للقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى الفداء: أن الإمام أحمد بن حنبل كان يجلس في مسجده فأنفذ إليه الخليفة العباس المتوكل صاحبًا له يعلمه أن جارية بها صرع، وسأله أن يدعو الله لها بالعافية، فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له، وقال له: امض إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس الجارية وتقول له، يعني الجن: قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين. فمضى إليه، وقال له مثل ما قال الإمام أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء، وخرج من الجارية وهدأت ورزقت أولادًا، فلما مات أحمد عاودها المارد، فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروذي وعرفه الحال، فأخذ المروذي النعل ومضى إلى الجارية، فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله، فأمرنا بطاعته.
(1) - طبقات الحنابلة تحقيق محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية -القاهرة-، 1/ 233، وانظر الشبلي، بدر الدين بن عبد الله: آكام المرجان في أحكام الجان، تحقيق عماد زكي البارودي، المكتبة التوفيقية -مصر- ص 135 - 136، السيوطي، جلال الدين: لقط المرجان في أحكام الجان، تعليق خالد عبد الفتاح شبل، مكتبة التراث الإسلامي -القاهرة- ص 108 - 109.