الصفحة 41 من 48

وأما القول بأن الشيطان إذا كانت له قدرة على الصرع فمعنى ذلك أنه أتى مثل معجزات الأنبياء، وهذا قدح في النبوة. فباطل، وبيان ذلك: أن أهل الضلال والبدع تظهر على أيديهم خوارق شيطانية، ومن هؤلاء السحرة والكُهان، وهذا ثابت بالحس والمشاهدة، ولم يؤد ذلك إلى الطعن في النبوة وإبطال المعجزة، والمساواة في الحد والحقيقة بين معجزات الأنبياء وأفعال السحرة والمشعوذين أمر معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام (1) ، ولقد فطن إلى الفرق بينهما سحرة فرعون، إذ لم يثبت سحرهم أمام المعجزة التي جاء بها موسى عليه السلام من ربه عز وجل، فخروا لله سجدًا وآمنوا بالله رب العالمين.

... ثم إن المعجزات لا تنال بالاكتساب، ولا يتوصل إليها أحد بسبب، أي لا يقدر عليها مخلوق وما تفعله الجن يكون بسبب واكتساب، وتنال بأفعالهم وفجورهم، ومعجزات الأنبياء لا تحصل بشيء من ذلك، بل الله تعالى يفعلها آيات بينات وحجج قائمات تدل على صدق رسالتهم وأنهم يأمرون بالعدل والخير، وأمَّا صرع الجن للإنس، فيدل على ظلمهم وفجورهم وتعديهم على عباد الله بالباطل والبهتان.

... إن كل عاقل من الناس يفرق بين معجزات الأنبياء وما يحدثه الجن للإنسان من صرع وما يعقبه من خبط وهذيان وصراخ أو إغماء وإعياء، وربما يبول المصروع على نفسه، ويمزق ثيابه، أو يتلف ما تقع عليه يديه.

إن قول المنكرين صرع الجن للإنسان بأنه لو كان قادرًا على ذلك، لصرع جميع المؤمنين، ولصرف همته إلى العلماء والزهاد، ولسرق أموالهم وأفسد أحوالهم، باطل لما يلي:

(1) - انظر الفرق بين معجزات الأنبياء وخوارق العادات وأفعال السحرة والكهان والمشعوذين: ابن تيمية: النبوات، دارسة وتحقيق محمد عبد الرحمن عوض، دار الريان للتراث، الطبعة الأولى 1405 هـ-1985، ص 214 - 216، 434 - 449.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت