إن الزعم بأن ما جاء في آية البقرة من قوله تعالى: {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} هو من التشبيه ولا يراد به الحقيقة، ومنه وصف شجرة الزقوم التي تكون يوم القيامة طعام أهل النار {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} سورة الصافات: 65، أقول: إن هذا الزعم باطل، لأنه قياس مع الفارق، فالتشبيه في آية البقرة هو تشبيه آكل الربا بشيء معروف لديهم واقع عندهم، وهو الذي يتخبط من المس، أما الثاني فإنه تشبيه بأمر غير مشاهد عندهم غير معروف، بعكس الأول، ولكن عرف من التشبيه الثاني كون الشيطان على أقبح الصور والأشكال من غير مشاهدة أو رؤية، إذن فالقياس مع الفارق، وهذا لا يصح (1) .
وأما قولهم بأن الشيطان ليس له قدرة على الصرع والإيذاء ولم يجعل الله له سبيلًا على الناس إلا أن يوسوس في صدورهم استدلالًا بقول الله تعالى: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي .. } سورة إبراهيم: 22.
فيردُّ عليه بما يلي:
أ-إن السلطان المنفي في الآية الكريمة إنما هو القهر والإلجاء إلى متابعته، أو الحجة والبرهان، وليس هو التعرض للإيذاء النفسي والبدني، فهذا حاصل للإنسان من قبل الشيطان، فيكون معنى قوله تعالى: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} : وما كان لي من تسلط عليكم بإظهار الحجة والبرهان على ما وعدتكم به وزينته لكم إلا أن دعوتكم وأغويتكم بوسوستي وتزييني فأطعتموني واستجبتم لي باختياركم بلا برهان ولا حجة دون أن أقهركم على ذلك (2) .
(1) - انظر الرومي، فهد بن عبد الرحمن -مصدر سابق- 2/ 644.
(2) - انظر تفسير الطبري 13/ 200، تفسير القرطبي 9/ 368، ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، حققه وكتب هوامشه محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية -بيروت- الطبعة الأولى 1407 هـ-1986 م، 1/ 118، فتح القدير 3/ 103، روح المعاني 3/ 49 - 50.