فهرس الكتاب
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، وفقني الله وإياهم لفعل الخيرات وَمَنَّ عَلَيَّ وعليهم بالتوبة النصوح من جميع السيئات ... آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فتعلمون -رحمني الله وإياكم- أن المسلمين قد عزموا على الاستغاثة لتأخر الغيث عن وقته في كثير من البلاد، ولشدة حاجة المسلمين. بل ضرورتهم إلى رحمة ربهم سبحانه وفضله وإحسانه، وقد أمرهم سبحانه أن يدعوه ويضرعوا إليه، ويرفعوا إليه حاجاتهم، وقد وعدوهم سبحانه بالإجابة حيث قال عز وجل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [1] وقال عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [2] ، وقال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [3] .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون إذا اشتدت بهم الأمور لجؤوا إلى الله سبحانه واستغاثوا به فيغيثهم ويمدهم بإحسانه وجوده، كما قال عز وجل في قصة غزوة بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [4] ، ولما اشتد الجدب في المدينة وما حولها؛ طلب المسلمون من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستغيث لهم، فرفع - صلى الله عليه وسلم - يديه في خطبة الجمعة، واستغاث ربه، وكرر الدعاء، وخرج بهم مرة أخرى إلى الصحراء فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد واستغاث ربه، ودعاه، ورفع يديه، وألح في الدعاء، وحول رداءه فأغاثهم الله ورحمهم، وأزال شدتهم، وأنزل عليهم الغيث الكثير، وقد قال الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [5] .
ومن أعظم أسباب الرحمة ونزول الغيث تقوى الله عز وجل، والتوبة إليه من جميع الذنوب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى، والتناصح في الله والتواصي بالحق والصبر عليه، ورحمة الفقراء والمساكين ومواساتهم والإحسان إليهم، كما قال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [6] .. الآية. وقال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [7] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [8] ، وقال عز وجل: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [9] ، وقال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [10] . فأبان سبحانه في هذه الآيات الكريمات أن التقوى والإحسان إلى عباد الله، والاستقامة على أمر الله من أسباب رحمته
(1) سورة غافر: آية 60.
(2) سورة البقرة: آية 186.
(3) سورة الأعراف: آية 55 - 56.
(4) سورة الأنفال: آية 9.
(5) سورة الأحزاب: آية 21.
(6) سورة الأعراف: آية 96.
(7) سورة الطلاق: آية 2 - 3.
(8) سورة الطلاق: آية 4.
(9) سورة الأعراف: 56.
(10) سورة التوبة: آية 71.