فهرس الكتاب
عليه، ويتأكد ذلك إِذا كان في مركز قيادي ديني [1] ، وعلى هذا إذا كان إمامًا لمسجد ولم ينتصح وجب عزله [2] إِن تيسر ذلك، ولم تحدث فتنة، وإِلا وجبت الصلاة وراء غيره من أهل الصلاح على من تيسر له ذلك زجرًا له وإِنكارًا عليه، إن لم يترتب على ذلك فتنة، وإن لم يتيسر الصلاة وراء غيره شرعت الصلاة وراءه تحقيقًا لمصلحة الجماعة [3] .
(1) لأن الإمامة من الأمانة، ومرتكب معصية حلق اللحية المجاهر بها المصر عليها يدخل في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) . وقد أطلق عليه بعض العلماء صفة الفسق لخروجه عن طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا سيما إذا كان لا يبالي بهذه المعصية، بل ويستصوبها ويستحسنها، ومن لا يتأدب بآداب الشريعة لا يهتم لأمر دينه كيف يؤتمن على أعظم شعائر الدين؟ وفي تقديمه للإمامة تعظيم له وليس هو من أهل التعظيم، وتقديمه يحمل الناس على الاستهانة بالمعصية والمقصود أن الأولى بالإمامة - مع الشروط المنصوص عليها في السنة - الخيار المتصفون بالهيئة الشرعية ظاهرًا، والإمام المصر على هذه المعصية أحرى به أن يتنحى لمن هو أقوم بحدود الشريعة كيلا يقع تحت قوله - صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يقل الله منهم صلاة من تقدم قومًا وهم له كارهون» الحديث رواه أبو داود.
والاعتبار بالكراهية الدينية الناشئة عن مذموم شرعي قام بالإمام.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم» ، وذكر منهم: «وإمام قوم وهم له كارهون» أخرجه الترمذي.
(2) ولعل دليله ما رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري عن السائب بن خلاد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا أمَّ قومًا فبصق في القبلة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينظر إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ: «لا يصلي لكم» فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «نعم، إنك آذيت الله ورسوله» . انظر: «عون المعبود» : (جـ 2/ 149 - 150) .
(3) لأن صلاة الجماعة من أعظم شعائر الإسلام، وضرر هجرة المساجد وتخريب بيوت الله أشد من ضرر الائتمام بمن هذا حاله قال شيخ الإسلام: (ليس لهم ترك الجمعة، ونحوها لأجل فسق الإمام، بل عليهم فعل ذلك خلف الإمام، وإن كان فاسقًا أو مبتدعًا، وإن عطلوها لأجل فسق الإمام من أهل البدع) اهـ.
قال العلماء: والأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره، وقد تأيد ذلك بفعل الصحابة _رضي الله عنهم _ فقد أخرج البخاري في «التاريخ» عن عبد الكريم أنه قال: «أدركت عشرة من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يصلون خلف أئمة الجور» ، ومما يدل على ذلك أيضًا حديث مسلم وفيه إِذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلف من يؤخرون الصلاة نافلة بعد أن يصليها لوقتها، لأنهم يؤخرونها عن وقتها، وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأمورًا بصلاته خلفهم فريضة والله أعلم.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: (واعلم أن محل النزاع إنما هو في صحة الجماعة خلف من لا عدالة له) ، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك، وقد أخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه - صلى الله عليه وسلم: «إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» اهـ. من نيل الأوطار: (جـ 3/ 186 - 187) .
وهذا الحديث علق عليه الزيلعي في «نصب الراية» قائلًا: (رواه الحاكم في «المستدرك» في كتاب الفضائل:(جـ 3/ 222) عن يحيى بن يعلى به سندًا ومتنًا إلا أنه قال: «فليؤمكم خياركم» وسكت عنه، وروى الدارقطني ثم البيهقي في سننهما بسندهما إلى ابن عمر _رضي الله عنهما_ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» ). اهـ.
قال البيهقي: (إسناده ضعيف) . اهـ (جـ 2/ 26) .