وسكناته، وتظهر آثاره على العبد. وأما الذي يتصنع للناس، ويسعى لإعلامهم بعمله، وصلاح قلبه، وما إلى ذلك، فالواقع أنه يُحطم الإخلاص في قلبه، ولا يزيده ذلك إلا شَينًا في قلوب الخلق، والله المستعان.
فبهذا نعلم: أن الإخلاص هو عمود العمل، وهو سنامه؛ لأن العامل بدون إخلاص كادح متعب نفسه، لا أجر له، فالله عز وجل يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [23] } [سورة الفرقان] . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المشهور: [إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ... ] رواه البخاري ومسلم. والله يقول جل جلاله: ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ... [7] } [سورة هود] . ولم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر عملًا، فليست العبرة بالكثرة إنما العبرة بالصواب مع حسن القصد:
· قال الفضيل بن عياض رحمه الله - تعليقًا على هذه الآية في بيان معنى: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قال:' أخلصه وأصوبه' قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال:' إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، ثم قرأ: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [110] } [سورة الكهف] '.
· ويقول ابن القيم رحمه الله:' العمل بغير إخلاص ولا إقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا ينقله ولا ينفعه'. فهو ليس له من هذا الجراب وهذا الحمل إلا التعب، فمن حمل التراب على ظهره، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأنه لا نفع فيه.
· ويقول ابن حزم- مبينًا هذا المعنى-:'النية: سر العبودية، وهى من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه؛ إذ هو بمنزلة الجسد الذي لا روح فيه، وهو جسد خراب'.
· وهذا الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى يقول في حكمة بليغة:' رأس الأدب آلة المنطق، لا خير في قول بلا فعل، ولا في منظر بلا مخبر، ولا في مال بلا جود، ولا في صديق بلا وفاء، ولا في فقه بلا ورع، ولا في صدقة بلا نية'. وإن شئت فقل: ولا عمل بلا نية.
ثانيًا: أنه لا سبيل إلى الخلاص والانفكاك من التبعات إلا بالإخلاص: فالإنسان يحاسَب على أعماله، ويحاسَب على نياته وإراداته، وإذا نُصبت الموازين، ووضعت الصحف؛ أبصر العبد بعد ذلك عمله، وعرف حاله ومنزلته عند الله عز وجل، يقول شمس الدين ابن القيم رحمه الله:' ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لِمَ وكَيْفَ؟؟ أي: لم فعلت، وكيف فعلت؟
فالأول: سؤال عن علة الفعل، وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا من حب المدح من الناس، أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟! أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟! ومحل هذا السؤال أنه: هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟
والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد: أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي، أم كان عملًا لم أشرعه ولم أرضه؟