فيبدو على الجوارح تصنعًا وتكلفًا، والقلب غير خاشع إلى أن قال: فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره؛ فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة؛ فماتت شهوات النفس للخوف و الوقار الذي خُشي به، وخمدت الجوارح، وتوقر القلب واطمأن إلى الله وذِكْرِه بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مخبتًا له، والمخبت: المطمئن، فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء ... فكذلك القلب المخبت قد خشع و اطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستشعر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه إجلالًا وذلًا وانكسارًا بين يديه سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه.
وأما القلب المتكبر فإنه قد أهتز بتكبره وربى، فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليها الماء ... فهذا خشوع الإيمان، و أما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعًا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات و إيرادات, فهو يخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة ' أ. هـ أي أن جوارحه لم تواطيء قلبه في هذا الخشوع ' هذا الفرق بين الخشوعين وشتان ما بينهما '
وأما ثامنًا: الطريق إلى الخشوع: كيف نحصل الخشوع في قلوبنا؟! كيف نكون من الخاشعين؟! نقول:
أول ذلك: أن تستحضر نظر الله تعالى إليك في حركاتك، و سكناتك في صلاتك، وفي قراءتك، وفي قيامك وقعودك، فالخشوع لا يختص بالصلاة، و إنما هو عبادة قلبية يظهر أثرها على الجوارح في كل أحوال العبد، فهذا سبب أساسي في تحصيل الخشوع، استحضار نظر الرب جل جلاله إليك، وكلما كان العبد أكثر استحضارًا لهذا المعنى؛ كلما زاد الخشوع في قلبه، و إنما يفارق الخشوع قلبك إذا حصلت الغفلة عن استشعار نظر الله عز وجل ومراقبته، قال ابن القيم رحمه الله:'الخشوع هو الاستسلام للحُكْمين الديني والشرعي، بعدم معارضته برأي أو شهوة. والقدري بعدم تلقيه بالتسخط والكراهية والاعتراض، والاتضاع لنظر الحق، وهو اتٌضَاعُ القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها، واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح، وخوف العبد الحاصل من هذا يوجب له خشوع القلب لا محالة. وكلما كان أشد استحضارًا له؛ كان أشد خشوعًا، وإنما يفارق الخشوع القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه ' أ. هـ
هذا على بن حسين زين العابدين كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه ولا يخطر بها. يعني ما يقول بيده إذا مشى هكذا يُحركها، ولا يقول بها هكذا وهو يمشي كأنه قد زهى بنفسه، فهو يمشي بشيء من الإعجاب والغرور والتعاظم. و إنما صفة مشية المتواضع أن يجعل يديه إلى فخذيه دون أن يخطر بها هكذا، فإن هذا يذهب الوقار والخشوع: الحركة الكثيرة. وكذلك لا يجافي بين يديه وبين منكبيه وفخذيه، فيظهر بصورة المتعاظم المتكبر المتغطرس وهو يمشي هكذا وإنما يلصق يده بجنبيه وفخذيه ... هذا على بن حسين زين العابدين.
وكان إذا قام إلى الصلاة اضطرب وارتعد، فقيل له - سُئل عن هذا- فقال:' تدرون بين يدي من أقوم و أناجي؟ ' وكان إذا توضأ للصلاة؛ اصفر لونه من شدة الوجل والحياء، والخوف واستشعار عظمة الله، والنظر