فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 88

لنظر العين فيها، ويقول: مثله قوله تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ... [44] { [سورة الفرقان] .

يقول: وتتبين حقيقة الأمر في قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [37] { [سورة ق] . [الفتاوى 9/ 310] .

وبهذا نعلم أن القلب هو الأشرف بإطلاق؛ لأن العين، أو البصر والسمع ميزابان يصبان في العقل، وهما وسيلتان لنقل العلوم والمعارف، والمشاهدات والمسموعات إلى هذا القلب، ثم تستقر فيه، ويحصل بعد ذلك من آثار هذه الأمور المسموعة، أو المبصرة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فقد يبصر الإنسان مشهدًا يكون له عبرة يعتبر بها، فيكون ذلك سببًا لإنابته وتوبته، وقد يبصر الإنسان منظرًا ومشهدًا في شاشة، أو في سوق، أو في مكان آخر يفسد عليه قلبه، فتعرض عليه هذه الصورة دائمًا تترائى كأنه ينظر إليها، فتفسد عليه القلب مشغولًا مشوشًا بهذا المنظر، ويجد من ألم ذلك ومغبته ما لا يقدر قدره إلا الله تبارك وتعالى.

رابعًا: الأمور التي يتم بها صلاح القلب: وهذه النقطة والتي بعدها ذكرتها إتمامًا للقسمة، وإلا فالحديث عنها يطول، وهي كثيرة جدًا، ولكني أذكر طرفًا يسيرًا منها؛ لعل الله عز وجل أن ينفع بها في مثل هذا المجلس، ويكون مشتملًا على جملة الأمور الهامة المتعلقة بهذه المقدمة فمن أعظم الأمور التي تصلح القلب:

1 -المجاهدة: يحتاج الإنسان إلى مجاهدة دائمة ومستمرة وإلى مكابدة، يقول ابن المنكدر رحمه الله وهو من علماء التابعين:'كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي' [نزهة الفضلاء 607] . فصار في حال من العبودية عجيب كان يقول:'إني لأدخل في الليل فيهولني فينقضي وما قضيت منه أربي'. ما معنى هذا الكلام؟ يقول: إذا أقبل الليل ودخلت فيه، وبادرت فيه إلى الصلاة، وخلوت بربي؛ لم يمض إلى شيء حتى انقضى هذا الليل، وتصرمت ساعاته، ولم أشعر بذلك، ولم يحصل ما كنت أؤمله من طول المناجاة، فهي قصيرة في نظره لشدة شغفه وتعلقه بذلك!!

كيف نصل إلى هذه المرحلة، ونحن إذا جلس الإمام يصلي وزاد دقيقتين لربما بدأنا نتململ وبعضنا يتنحنح، وبعضنا يحرك أصابعه ويفرقعها، ولربما عاتبنا الإمام بعد ذلك!

إننا حينما نصلي كأن الواحد منا طائر في القفص يبحث عن الحيلة كيف يتخلص، ولو كانت قلوبنا عامرة بمحبة الله والإقبال عليه؛ لم نشبع من صلاتنا وعبادتنا، وكم رأيت من الصالحين من يتعجب أن فلانًا من الناس لربما بكى في القراءة في الصلاة السرية، وأي عجب في هذا هو يناجي ربه كيف تعجبون من هذا .. !! وأي مقام هو أعظم من مقام العبد بين يدي ربه وخالقه يناجيه وينطرح بين يديه في أذل الصور التي يعبد بها العبد نفسه ويذلل جبهته في السجود والركوع وهل هناك تذلل أكثر من مناجاة الله عز وجل والخضوع بين يديه والجبهة على الأرض؟ ليس هناك صورة في الذل أعظم من هذه .. لكننا ألفناها فما عادت تؤثر في قلوبنا، على كل حال أيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت