يكون شاردًا في زحمة الأعمال - حتى الأعمال الدعوية ينبغي أن يكون له مجالس يتذاكر فيها مع إخوانه، ويرقق قلبه، ويصلح ما فسد من هذا القلب في زحمة الأشغال كزيارة القبور، وذكر الموت، وما إلى ذلك من الأمور التي سيأتي ذكرها وهي مصلحات القلوب.
ثالثًا: الموازنة: بين هذا المحل الشريف وهو القلب وبين أشرف عضوين أو أشرف حاستين في الإنسان وهما: السمع والبصر وهي الثلاث التي ذكرها الله عز وجل في آية الإسراء في قوله: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [36] { [سورة الإسراء] . مع أن الإنسان يسأل عن جميع جوارحه وعن منافعه، وعن نعم الله عز وجل عليه، بماذا صرفها؟ وماذا عمل بها؟ لكن الله عز وجل خص هذه المواضع الثلاثة؛ لأنها الأشرف والأكمل، وهي أعظم المنافع، وأشرف المحال عند الإنسان، فأي هذه الثلاث أشرف هل هو السمع، أو البصر، أو القلب؟
يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقها بشيء، وهو أنها إنما يرى بها صاحبها الأشياء الحاضرة، والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص - معنى هذا الكلام: أن العين أقل هذه الأمور الثلاثة شرفًا مع أن العين وهي عضو شريف في غاية الشرف ومع ذلك هي أقل شرفًا من السمع والقلب - لماذا؟ لأن العين لا يرى بها الإنسان إلا الأمور المتشخصة يرى السارية، ويرى الإنسان، ويرى الشجرة لكنه لا يرى الهواء لا يرى الأمور التي لا يدركها نظر العين، فهو لا يرى الأشياء البعيدة جدا، ً ولكنه قد يسمع صوتًا فنحن قد نسمع صوت الطائرة ولا نراها، وقد نسمع أصواتًا من بعد ولكننا لا نبصرها، ثم أيضًا الإنسان لا يبصر إلا من جهة واحدة وهي الأمام وأما الخلف وعن اليمين وعن الشمال، فإن الإنسان لا يبصر شيئًا من ذلك فهو بحاجة إلى الالتفات.
وأما السمع فإن الإنسان يسمع ما أمامه وما فوقه وما تحته كما يسمع عن يمينه وشماله وخلفه ولا يحتاج مع ذلك إلى التفات، يقول شيخ الإسلام:'فأما القلب والأذن، فيعلم بهما ما غاب عنه، وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية، والمعلومات المعنوية ثم بعد ذلك يفترقان' - أي القلب والأذن بدأ يوازن بين القلب والأذن، انتهى من البصر- يقول: 'القلب يعقل الأشياء بنفسه إذا كان العلم هو غذاؤه وخاصيته، فأما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام' يقصد أن الأذن مجرد بريد، وأين يحصل تحليل هذا الكلام؟ وأين يحصل تعقل هذا المسموع؟ يحصل ذلك في القلب، وأما الأذن فهي وسيلة إلى نقله فحسب، هي واسطة بين مصدر الصوت وبين القلب، فتنقل هذا الصوت إلى القلب، فيحصل تحليله، والنظر فيه لذلك المحل العجيب، يقول شيخ الإسلام: 'فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب وإنما سائر الأعضاء حجبة له ترسل إليه الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه فمدار الأمر على القلب، وعند هذا تستبين الحكمة في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ... [46] { [سورة الحج] . ولم يذكر هنا العين فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة في الأمم المعذبة، وهي حكمة معقولة من عواقب الأمور لا مجال