الشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه ولو كرهه الله؛ فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعث إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع الهوى هوى القلب ' [جامع العلوم والحكم 1/ 210] .
يقول سلمان الفارسي رضي الله عنه في كلمة مختصرة جليلة، يعبر بها عن معنى كبير يقول:' لكل امرئ جواني وبراني - جواني يعني: الداخلي، والبراني: هو الخارجي - لكل امرئ جواني وبراني فمن يصلح جوانيه يصلح الله برانيه ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه' [الزهد لابن المبارك 'زيادات نعيم بن حماد' ص 17] .. وهذا شئ مشاهد، ولهذا تجد الموعظة تطرق الأسماع، وتجد آثارها على الناس متفاوتة غاية التفاوت كالمطر ينزل على الأرض، فمنها: ما يخرج ألوان النباتات والثمار والأزهار، فتغدو تلك الأرض طيبة، معشبة، مربعة. وأما الأرض الأخرى فهي لا تنبت كلأ، وقد لا تمسك ماء- نسأل الله العافية- وقد تمسكه لكنها لا تنتفع به وإنما ينتفع غيرها، وهكذا الناس يسمعون وحي الله عز وجل، ويسمعون القرآن، ويسمعون المواعظ، فمنهم: من يتأثر ويظهر ذلك في سمته وهديه وأخلاقه وسائر أعماله؛ فيثمر ذلك في قلبه خشوعًا وخضوعًا وألوانًا من العبوديات، كما يثمر عملًا صالحًا في جوارحه. ومنهم: من لا يظهر عليه أثر ذلك سواء حفظه، فنقله إلى الناس، فانتفعوا به، أو أنه لم يحفظ شيئًا من ذلك، فضيعه، والمقصود: أنه لم ينتفع به.
تجد الكلمات الطيبة يسمعها اثنان هذا يتحول إلى مؤمن صالح، والآخر يبقى على حاله، وكم من أقوام طرق أسماعهم القرآن، وسمعوا النبي صلى الله عليه و سلم يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، فكبهم الله عز وجل في النار على وجوههم، وكم من أقوام سمعوا كلمة واحدة، فقلب ذلك حياتهم رأسًا على عقب، فتحولت أمورهم وأحوالهم، وتبدلت شئونهم، وتركوا الملذات والشهوات التي حرمها الله عز وجل بسبب كلمة واحدة سمعوها، وما ذلك إلا لصلاح القلب، أو فساده، فحق لهذا المحل الشريف أن يعتني به غاية العناية، يقول الحسن البصري رحمه الله:' داو قلبك فإن حاجة الله إلى عباده صلاح قلوبهم، إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم - وأشار بأصبعه إلى صدره- وأعمالكم'.
فمحل نظر الله عز وجل هو قلب العبد، فإذا صلح قلبه؛ صلحت أعماله، وكان مقبولًا عند الله عز وجل. وإذا كان القلب فاسدًا، فلربما سجد صاحبه وركع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الدرك الأسفل من النار كعبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين، يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوات، ولربما قدموا شيئًا من أموالهم دفعًا للتهمة عنهم، أو حياء من الناس، ومع ذلك لم تزك نفوسهم، ولم تصلح قلوبهم ولا أعمالهم؛ لأن هذه القلوب قد انطوت على معنى سيئ أفسدها، على نجاسة كبرى لا تطهرها مياه البحار، وهي الشرك بالله عز وجل والنفاق.
وقد كان الحسن البصري رحمه الله يجلس في مجلس خاص في منزله لا يتكلم فيه عن شئ إلا في معاني الزهد والنسك والرقاق، والقضايا المتعلقة بالأعمال القلبية، فإن سئل سؤالًا يتعلق بغيرها في ذلك المجلس تبرم، وقال:' إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر' [سير أعلام النبلاء 4/ 579] . وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي ألا يغفل وألا