فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 88

المرتبة الثانية: العمل يكون مقبولًا إلا أنه دون الأول، وهو أن يقصد العبد وجه الله عز وجل بالعمل، ولكنه يلتفت إلى معنى يجوز الالتفات إليه:

· كالذي يحج يريد وجه الله عز وجل، ويريد أيضًا التجارة، فهذا لا مانع منه، والله عز وجل يقول: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ... [198] } [سورة البقرة] . والمعنى: أن تبتغوا فضلًا من ربكم أي بالتجارة في مواسم الحج.

· وكالذي يحج لأنه يحمل معه جموعًا من الحجاج يأخذ منهم أجرة على ذلك، فهذا يريد وجه الله عز وجل، ويريد هذا المغنم العاجل، فحجه صحيح، ولكن مرتبته دون الأول، دون الذي ذهب إلى الحج لا يريد إلا ما عند الله.

· وكالذي يصوم لله عز وجل، وهو يستحضر في نفسه معنى آخر، وهو أن يصح بدنه.

· وكالذي يحضر لصلاة الجماعة تلبيةً لأمر الله عز وجل، وطاعة وعبودية له، ويلتفت لأمر آخر يجوز الالتفات إليه أن تثبت عدالته، وأن تقبل شهادته؛ لأن الذي لا يحضر مع الجماعة لا تثبت له عدالة، ولا تقبل له شهادة، ولا شك أن المسلم مطالب بتحصيل الأمور التي تثبت بها عدالته، وهذا غير الرياء والسمعة، هذا أمر يجوز الالتفات إليه، ولكن من نظر إلى هذا المعنى فهو دون الأول.

إذًا هما مرتبتان: أن يتمحض القصد لله عز وجل، الثانية: أن يريد وجه الله، ويلتفت إلى معنى آخر يجوز الالتفات إليه، هذه مراتب ودرجات المخلصين، الذين يقبل الله عز وجل أعمالهم، ولا تتكدر بشيء من الإشراك.

سادسًا: صعوبة الإخلاص: الإخلاص أمر عسير شاق على النفس، صعب عليها، يحتاج صاحبه إلى مجاهدة عظيمة، ويحتاج العبد معه إلى مراقبة للخطرات والحركات، والواردات التي ترد على قلبه، فيحتاج إلى كثرة تضرع لله عز وجل- كما سيأتي- يقول أويس القرني رحمه الله:'إذا قمت فادعو الله يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئًا أشد عليك منهما'.

أويس القرني هذا هو الذي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يطلب منه أن يدعو له، وأخبره أنه يأتي في أمداد اليمن، وذكر له صفته، فكان عمر يترقب ويتحرى حتى عثر عليه، فكلمه وسأله حتى استيقن أنه هو، وطلب منه أن يدعو له، ثم بعدها اختفى أويس فلم يعرف له أثر بعد ذلك، اختفى لشدة إخلاصه لما انكشف أمره خشي أن يتعلق الناس به، وأن يثنوا عليه ويطروه، وأن يتتبعوا آثاره يطلبون منه الدعاء، أو يطلبون منه أن يستغفر لهم، وما إلى ذلك، فاختفى في أجناد المسلمين، وخرج غازيًا في سبيل الله عز وجل، ولم يوقف عليه بعدها، ومع ذلك يقول:'لن تعالج شيئًا أشد عليك منها' أي: النية.

ويقول يوسف ابن أسباط رحمه الله:' تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد'. قد يستطيع العبد أن يجاهد سنوات متواصلة، ولكنه قد يعجز كثيرًا، أو يتعب كثيرًا بمراقبة خطراته، وما يرد عليه من المقاصد والنيات، والواردات التي تقع في هذا القلب. قد يستطيع الإنسان أن يركع ويسجد ليلًا طويلًا، وأن يصوم النهار، ولكنه يصعب عليه أن يضبط قصده، وأن يتمحض هذا القصد لوجه الله عز وجل، وقد يسأل بعضكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت