وعلى كل حال: إذا أردت أن تكون متحققًا باليقين، وأن تعرف ذلك من نفسك؛ فلا تُمْسِ ولا تُصْبِح وفي قلبك أحد أحب إليك من الله، وإذا أردت أن تتحقق باليقين، وأن يكون ذلك وصفًا راسخًا ثابتًا في قلبك؛ فلا يكن أحد من المخلوقين أخوف عندك من الله. وبالتالي فإن صاحب اليقين لا يتعلق بأحد من الخلق لعطاء أعطاه، أو لجمال صورته، أو لغير ذلك، لا يتعلق قلبه به، ويلتفت إليه ليرجو ما عنده، ولا يخاف أحدًا من المخلوقين، فيترك ما أمره الله عز وجل به، أو يتردد في التمسك بحبل الله جل جلاله من أجل الخوف من هذا المخلوق، فيكون صاحب اليقين ثابتًا، مرتبطًا بالله عز وجل في كل أحواله، فهو يرجو الله، ويؤمله، ويحبه، وهو أحب شئ إليه، كما أنه يخاف الله عز وجل ولا يرقب أحدًا سواه.
ثامنًا: الطريق إلى اليقين: كيف نصل بأنفسنا إلى اليقين؟ كيف نتربى على اليقين؟ .. كيف نرتقي بإيماننا إلى هذه المرتبة؟
أعظم ذلك: أن نعلم أن التوفيق بيد الله عز وجل، وأن المواهب بيده، فما على العبد إلاّ أن يلتجأ إليه، وأن يصدق في الإقبال عليه، فيسأل ربه قائمًا، قاعدًا أن يرزقه الإيمان الكامل، واليقين الجازم الراسخ الذي لا يتزعزع. [انظر: مدارج السالكين 2/ 302] . ومع ذلك أيضًا يبذل الأسباب التي توصله إلى هذه المرتبة، ومن هذه الأسباب:
* الأول: وهو أول درجات اليقين: العلم: فهو يستعمله، فأن تعمل بمقتضى هذا العلم، واليقين يحملك كما قال بعض السلف:'العلم يستعملك -فتعمل بمقتضاه- واليقين يجملك' [مفتاح دار السعادة 1/ 154] . فيندفع العبد للعمل، ويُقدم، وينفق ماله الذي يكون حبيبًا إلى قلبه؛ لأنه يتيقن بالجزاء، ويعلم أن من أعلى المراتب والمنازل عند الله عز وجل مرتبة الشهداء، فيبذل نفسه رخيصة في سبيل الله تبارك وتعالى- والنفس هي أحب الأشياء إلى الإنسان-:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُقفر والإقدام قَتَّالُ
فالمال حبيب إلى النفوس، والنفوس أيضًا عزيزة على أصحابها، فالعبد يعلم أن بذل المال سبيل إلى التقرب إلى الله عز وجل، وأن الله يُربِّي الصدقة، ويعلم أيضًا: أن الشهيد يُغفر له من أول قطرة من دمه، ويشفع في سبعين من أهله، وما إلى ذلك من فضائله، يعلم هذه الأشياء، فالعلم يستعمله، ولكنه قد لا يُقدم على هذه الأمور التي تحتاج إلى تضحيات كبيرة، لا يقدم عليها؛ لأنه لم يتيقن، ولم يصل إلى مرتبة اليقين.
وأما صاحب اليقين، فإنه يُحْمَلُ على ذلك حملًا، فلا يقف إلى حد العلم فيكون ذلك معلومًا له فحسب، بل إن يقينه يحمله على الامتثال والإقدام والعمل، ولو كان ذلك في سبيل إزهاق نفسه، وإتلاف ماله، وإنفاقه أجمع، فله