بالأقدام، واستعمله فيها، ورده إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أمه وأبوه، وأصله وفصله، فضمته حيًا على ظهرها، وميتًا في بطنها، وجعلت له طهورًا و مسجدًا، فأمر بالسجود إذ هو غاية خشوع الظاهر، وأجمع العبودية لسائر الأعضاء، فيعفر وجهه في التراب؛ استكانة وتواضعًا وخضوعًا، وإلقاء باليدين، ويقول مسروق لسعيد بن جبير: ' ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب لله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتقي الأرض بشيء قصدًا بل إذا اتفق له ذلك فعله، ولذلك سجد في الماء والطين كما جاء في الصحيحين [كتاب الصلاة لابن القيم ص 210 - بتصرف-] .
لم يكن يتكلف شيئًا دون جهته ووجهه، إذا صلى صلى على التراب، فلم يكن يضع رداءه صلى الله عليه وسلم دون وجهه، وإذا صلى على الحصير لم يتكلف وضع وجهه على الأرض مباشرة من دون حصير
6 -أما الأمر السادس والأخير من آثار الخشوع: هو ما يحصل به من تفاضل الأعمال وتفاوتها: فكم من الفرق بين اثنين كل منهما قائم في الصف يصلي، هذا خاشع وهذا لم يخشع؟ فلا شك أن هذه الصلاة التي حصل بها هذا الخشوع أنها في غاية الكمال، ويؤجر عليها غاية الأجر، هذه سورة قل هو الله أحد، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن، وقد قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: أن هذه السورة مع ما فيها من الثواب والأجر والمنزلة إلا أن العبد قد يقرأ آية سواها ويخشع فيها، فيكون ذلك أعظم من قراءته هذه السورة، بل يقول: إن العبد قد يقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، مع حضور القلب واتصافه بمعانيها فيكون ذلك أفضل في حقه من قراءة سورة قل هو الله أحد مع الجهل والغفلة، ويقول: والناس متفاضلون في فهم هذه السورة وما اشتملت عليه كما أنهم متفاضلون في فهم سائر القرآن.
أولها: كثرة الحركة سواء في الصلاة أو خارج الصلاة: كما قلت لكم في الذي يمشي ويخطر بيديه هكذا في مشيته، فهو كثير الحركة، فهذا أبعد ما يكون عن الخشوع والوقار، وقلة الحركة تنبئ عن سكينة وتؤدة ووقار وخشوع، وكذلك في الصلاة، والله عز وجل يقول وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [238] { [سورة البقرة] والمراد به أن يكون العبد ساكنًا مع طول القيام فيها، لا يلتفت، ولا يرفع بصره، ولا يتحرك، ولا ينشغل بشيء من جوارحه، أو ببصره عن ما هو بصدده، ' لأن الخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعًا؛ ولهذا نقل عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته فقال:' لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه' يعني: سكنت وخضعت. والله يقول: وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ... [39] { [سورة فصلت] . فأخبر أنها بعد الخشوع تهتز، والاهتزاز حركة، وتربو، والربو: الارتفاع، فُعلم أن الخشوع فيه سكون و انخفاض، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حال ركوعه:: [اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعِظَامِي وَعَصَبِي ... ] رواه مسلم. فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع لأن الراكع ساكن متواضع ' [ما بين الأقواس من كلام الشيخ ابن تيمية] .