3 -وأما الأمر الثالث: فهو بلوغ المرام وتحصيل المطلوب: الله عز وجل يقول: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [1] الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [2] { [سورة المؤمنون] فذكر ذلك في أول صفاتهم وهي الفلاح الذي قد حكم الله به بطريقة محققة بالتعبير بقد: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [1] { [سورة المؤمنون] وهو تحصيل المطلوب، والنجاة من المرهوب، قال رجل للحسن: أوصني، قال:' رطب لسانك بذكر الله، وند جفونك بالدموع من خشية الله، فقل من طلبت لديه خيرًا فلم تدركه' [الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا] . فمن كان بهذه المثابة حصل له مطلوبه من ربه تبارك وتعالى، فأكرمه وقربه.
4 -والأمر الرابع هو: أن الخشوع يورث صاحبة أخلاقًا محمودة: وذلك أن الخشوع أصل من أصول الأخلاق، وأساس من أسسها كما قال ابن القيم رحمه الله:' فالكبر والمهابة والدناءة أصل الأخلاق المذمومة، والكبر يقابل الخشوع، والخشوع يقابله الصلف و التعالي، والجفاء والرعونة والدناءة، وأما الخشوع فهو عكس ذلك، فهو أصل الأخلاق الفاضلة، كالصبر والشجاعة، والعدل والمروءة، والعفة والسيادة، والجود والحلم، والعفو والصفح، والاشتمال والإيثار، وعزة النفس عن الدناءات، والتواضع والقناعة، والصدق والأخلاق، والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل، والتغافل عن زلات الناس، وترك الانشغال بما لا يعنيه، وسلامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك، فكلها ناشئة من الخشوع وعلو الهمة. والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة، ثم ينزل عليها الماء؛ فتهتز وتربوا، وتأخذ زينتها وبهجتها، فكذلك المخلوق منها إذا أصاب حظه من التوفيق-إلى أن قال-: فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكل خلق ردي' [الفوائد ص 143 - 144 - بتصرف-] .
5 -الخامس: أن الخشوع يرد العبد إلى حكم العبودية: والكبر يرفعه عن هذا المقام، ولذلك كان الكبر لا يتناسب إطلاقًا مع عبودية القلب، ومع عبودية العبد، فالكبر كمال لله عز وجل، أما المخلوق فكماله في الخشوع والتواضع و الإخبات، فالعبد لو ترك مع نفسه فإن فيه صفات مذمومة قبيحة تدعو إليها النفس من التعالي على الخلق، والأشر؛ فيخرج عن طوره أصله الذي خُلق له، ويثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة، فينازع ربه ذلك، وقد أمر العبد بالسجود- كما قال ابن القيم رحمه الله- خضوعًا لعظمة ربه وفاطره، وخشوعًا له، وتذللًا بين يديه وانكسارًا له، فيكون هذا الخشوع والخضوع، والتذلل ردًا له إلى حكم العبودية، فيتدارك بذلك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض، الذي خرج به عن أصله، فتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه وهو الوجه، وقد صار أعلاه أسفله خضوعًا بين يدي ربه الأعلى، وخشوعًا له، وتذللًا لعظمته، و استكانة لعزته مرددًا: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، يقول ابن القيم رحمه الله:' وهذه غاية الخشوع الظاهر فإن الله سبحانه خلقه من الأرض التي هي مذللة للوط