فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 88

فالأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه لمجاهدته، والرابع مثاب، والخامس قريب إلى ربه في أعلى المنازل والدرجات.

سابعًا: أنواع الخشوع:

الخشوع ليس له نوع واحد، وإن كان في صورته الظاهرة يخرج المرء، أو العبد مع غيره فيه بهيئة متحدة، إلا أن ذلك يفترق في حقيقة الأمر بسبب ما يقوم في القلب من الحقائق والدواعي، فهناك خشوع حقيقي، وهذا هو القسم الأول، وخشوع مزيف وهو خشوع النفاق، وهو خشوع الظاهر دون مواطئة الباطن، فالباطن الذي هو محل للخشوع أصلًا قد صار فارغًا من هذا الخشوع، فظهر ذلك مرتسمًا على وجه صاحبه، وظاهرًا على جوارحه، ولكن قلبه قد فرغ منه، وهذا لا فائدة فيه، وهو خشوع النفاق.

ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه و أطرافه مع فراغ قلبه منه فإن ذلك يكون من قبيل خشوع النفاق [انظر الخشوع في الصلاة لابن رجب] إلا في حالة واحدة: وهي أن يكون العبد يفعل ذلك من أجل الوصول إلى الخشوع، كصاحب المجاهدة الذي حدثتكم عنه، بشرط أن لا يظهر ذلك أمام الناس بحيث يكون الإنسان بعيدًا عن نظر الناس لا يلتفت إليهم بقلبه، ولا يحضر مجامعهم بهذا الفعل الذي يتصنع فيه الخشوع، فهو يتظاهر، أو يتصنع، أو يحاول أن يبكي، وأن يخشع، وإن لم يكن قلبه خاشعًا من أجل أن يحصل الخشوع، فهذا لا يكون مذمومًا. وأما المذموم أن يكون ذلك على سبيل النظر إلى الخلق، وتصنع الخشوع من أجل تحصيل محمدتهم. وقد كان جماعة من السلف يستعيذون من هذا النوع وهو خشوع النفاق ... وكان بعضهم يقول:' استعيذوا بالله من خشوع النفاق' فقيل له: وما خشوع النفاق .. ؟ فقال:' أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع' وكان الفضيل بن عياض رحمه الله وهو من كبار الخاشعين يقول:' كان يكره أن يُري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه'. يعني أن يظهر في ظاهره أعظم مما قام في باطنه .. وقد ذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة، فقال:' يا صاحب الرقبة! ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ' إنما الخشوع في القلوب.

ولما ذكر شمس الدين ابن القيم رحمه الله أنواع البكاء في كتابه:'زاد المعاد' قال:' والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس، فيظهر صاحبه الخشوع، وهو من أقسى الناس قلبًا، وقد رأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع هاهنا!! وأشار إلى قلبه، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه' [انظر المدارج 1/ 521 - 524] . وذكر أن عائشة رضي الله عنها رأت أناسًا يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فسألت عن هؤلاء، فقيل لها: نُسَّاك أي: أن هؤلاء عباد. فقالت:' كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا مشى أسرع، و إذا قال أسمع، و إذا ضرب أوجع، و إذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقًا' [السابق] . وقد فرق ابن القيم رحمه الله بين خشوع النفاق، وخشوع الإيمان في كتابه: [الروح ص 232] فقال عن خشوع الإيمان بأنه: خشوع القلوب لله بالتعظيم والإجلال، والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل، والحب والحياء، وشهود نعم الله، وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح، و أما خشوع النفاق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت