بل قال ابن القيم رحمه الله:'اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان للإيمان، وعليهما ينبني وبهما قوامه، وهما يُمدان سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما تقوى الأعمال، وجميع منازل السائرين إنما تُفتتح بالمحبة واليقين، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم' [مدارج السالكين 2/ 397] . ولهذا قال أبو بكر الوراق رحمه الله:'اليقين ملاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرف الله، وبالعقل عُقل عن الله'.
رابعًا: اليقين في الكتاب والسنة: الله تبارك وتعالى يذكر اليقين في مواضع متعددة:
* فتارة: يذكره من أوصاف أهل الإيمان: فيقول: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [4] } [سورة البقرة] .
وتارة: يذكر بعض حِكَمِه في بعض أفعاله، وليصل بعبدٍ من عباده إلى مرتبة اليقين: فيقول: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [75] } [سورة الأنعام] .
وتارة: يذم من لا يقين عنده: فيقول: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ [82] } [سورة النمل] .
? وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلمعددٌ كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي يذكر فيها فضل اليقين ومنزلته وشرفه: كما في حديث أبي هريرة قال: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا ... الحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلملما بحثوا عنه؛ وجدوه في حائط، وكان أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أول من وجده فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلمنعله، وقال له: [اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ] رواه مسلم. ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بِلَالٌ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ] رواه النسائي وأحمد. فدل ذلك على أن اليقين سبب لدخول الجنة، والأحاديث في هذا كثيرة، وتتبع ذلك أمر يطول.
خامسًا: مراتب اليقين [انظر: كتاب الزهد والورع والعبادة، ص 77، التبيان في أقسام القرآن، ص 119 - 120، مفتاح دار السعادة 1/ 149] : كما أن العلم يتفاوت- واليقين هو من جملة مراتب العلم- فكذلك اليقين يتفاوت، فهو على ثلاث مراتب بعضها فوق بعض، فأدنى مراتب اليقين هي مرتبة:'علم اليقين'، والمرتبة التي فوقها هي مرتبة:'عين اليقين'، وأعلى المراتب هي مرتبة:'حق اليقين'، والله عز وجل يقول: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [5] } [سورة التكاثر] . فذكر العلم: علم اليقين.
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ [6] ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [7] } [سورة التكاثر] . فذكر في هذه الآيات مرتبتين من مراتبه:
فعلم اليقين: هو التصديق الكامل الجازم، الذي لا تردد فيه، بحيث لا يعرض له شك، ولا شبهة، ولا ريب بحالٍ