فالعبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر من الأمور، ومع هذا يكون في قلبه شئٌ من الحركة والاختلاج، بحيث إن هذا العلم لا يحمله على العمل الذي يقتضيه العلم في الأصل، حيث إن هذا العلم كان الواجب أن يثمر ويؤثر فيه تأثيرًا عمليًا سواء كان ذلك في قلبه، أو كان ذلك في جوارحه، فقد يوجد العلم في قلب الإنسان إلا أن صاحبه لا يصل به إلى مرتبة العمل بعد العلم. فالعبد -مثلًا- يعلم أن الله رب كل شئ ومليكه، وأنه لا خالق غيره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله تعالى، والتوكل عليه، وقد لا يصحبه العمل بذلك: إما لغفلة القلب عن هذا العلم- والغفلة لاشك أنها من أضداد العلم، وأعنى بالعلم الذي تضاده الغفلة هو: العلم التام الذي يوجب الاستحضار الدائم المستمر- فيستسلم صاحب هذه الغفلة للخواطر إذا غفل عن الحقائق التي علمها واستقرت في قلبه، فإذا وقعت له غفلة؛ فإن الخواطر تجد طريقها إلى قلبه وإلى اعتقاده، وإلى ما يدين الله عز وجل به، وقد يلتفت العبد إليها.
وهكذا إذا قلنا إن العلم هو: طمأنينة القلب، وسكون القلب إلى هذا المعلوم؛ فإن هذا يكون في سائر الأبواب، فعلى سبيل المثال: إذا قلنا: 'اليقين بأمر الآخرة' إذا كان العبد يتيقن البعث والجزاء، والنشور، وما يكون في يوم القيامة، فإن هذا العبد إذا تيقن هذه الحقائق يقينًا تامًا؛ صار قلبه بمنزلة المشاهد لها كأنه يُعاينها.
وهذه حقيقة اليقين التي وصف الله تعالى بها أهل الإيمان في قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [4] } [سورة البقرة] .
فلا يحصل الإيمان بالآخرة - كما قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله- حتى يطمئن القلب إلى ما أخبر الله سبحانه به عنها، طمأنينته إلى الأمور التي لا يشك فيها ولا يرتاب، فهذا المؤمن هو المؤمن حقًا باليوم الآخر [الروح /221] .
وهو الذي أثنى الله عز وجل عليه، ولهذا قال بعضهم: اليقين مشاهدة الإيمان بالغيب، فكما أن العين تشاهد الحقائق الماثلة أمامها في العالم المشهود عالم الشهادة؛ فإن اليقين هو مشاهدة الغيب بالقلب، فإذا وصل القلب إلى هذه المرتبة، وإلى هذا المستوى؛ فإنه يكون قد تيقن، وارتقى العبد بإيمانه، وصار بمنزلة عالية قد توصله عند الله عز وجل إلى أعلى المنازل.
ثانيًا: ما الفرق بين العلم وبين اليقين؟ [انظر: بصائر ذوى التمييز [5/ 397]
لعله يتبين لكم مما سبق شئ من ذلك: فالعلم قد لا يحمل صاحبه على العمل والامتثال، وقد لا يصير العبد بهذا العلم بمنزلة المشاهِد للحقائق الغيبية، فقد يعلم باليوم الآخر، ولكن هذا العلم قد يضعف في قلبه، وقد تعتريه في بعض الأحيان بعض الشكوك، وبعض الشبهات، فتؤثر عليه. وأما إذا كان اليقين مستقرًا في القلب، فلا طريق للشُبه، ولا طريق للأمور المشككة، وإنما هو اعتقاد جازم راسخ، لا يقبل التشكيك بحال من الأحوال، ولهذا يقولون:'العلم يعارضه الشكوك واليقين لا شك فيه'.