خَفِيٍّ ... [45] { [سورة الشورى] . وقال الله تعالى: أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [16] { [سورة الحديد] .
والمعنى الرابع في القرآن: هو التواضع: ومن ذلك قولة تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [45] { [سورة البقرة] . وقال: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ... [199] { [سورة آل عمران] . وقال: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [109] { [سورة الإسراء] . وقال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ... [35] { [سورة الأحزاب] . وكذا قوله: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... [92] { [سورة الفتح] . قال مجاهد:'هو الخشوع والتواضع'.
والمعنى الخامس: هو اليبس والجمود: كما في قوله تبارك وتعالى: وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً ... [39] { [سورة فصلت] يعني: هامدة يابسة لا نبات فيها.
وأما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد جاء في عدد من الأحاديث:
منها: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ] .
ومن ذلك: حديث أبي هريرة عند النسائي بإسناد صحيح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْخَاشِعِ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ] رواه النسائي. هذا يدل على منزلة من حقق الخشوع.
ومن ذلك أيضًا: حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعِظَامِي وَعَصَبِي ... ] .
والخامس منها وهو درجات الخشوع: لا شك أن هذا المعنى يتفاوت ولا يكون الناس فيه أيضًا على وتيرة واحدة. وابن القيم رحمه الله يجعل الخشوع من هذه الحيثية -أي من جهة مراقيه- يجعله ثلاث مراتب:
الأولى: وهي التذلل لأمر الله عز وجل مع الاستسلام لحكمه، مع التواضع لنظر الله عز وجل له، هذه هي المرتبة الأولى.
فالتذلل لأمر الله تبارك وتعالى: أن نتلقاه بذلة من غير استنكاف، ومن غير نفرة، ومن غير تعال عليه, و إنما يخضع العبد لأمر ربه ومولاه جل جلاله، فيتقبل هذا الأمر وينقاد إليه، ويتمثل هذا التوجيه الرباني مع موافقته الباطن لظاهره، مع إظهار الضعف والافتقار لهداية الله عز وجل. فهو منقاد لأمر ربه بقلبه وجوارحه متواضع لله جل جلاله.