فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 88

صرف النظر عن الأمر الذي أوجب لهم هذا الخشوع. وهم كذلك أيضًا في هذا الباب بين ظالم لنفسه، وبين مقتصد، وبين سابق بالخيرات بإذن الله [انظر مجموع الفتاوى 7/ 28 - 30] ؛ لأن مراتب السالكين إلى الله جل جلاله في العبودية لا تخرج عن هذه المراتب الثلاث كما قال الله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [32] { [سورة فاطر] . فالظالم لنفسه هو المقصر في الواجبات، المرتكب للمحظورات، والمقتصد: هو من اقتصر على الأمر الواجب دون زيادة أو نقص، وترك المحرم. والسابق بالخيرات: هو من جاء بالواجب، وفارق المحرم، مع مجانبته للمكروه، وفعله المستحبات، فالخشوع عمل من أعمال القلب التي تظهر على الوجه والجوارح. فالناس يتفاوتون فيه وهم فيه على هذه المراتب ... فالسابقون في هذا الباب هم أعلى المراتب، ثم يلي ذلك من هو مقتصد، ثم يلي ذلك الظالم لنفسه، والظالم لنفسه متوعد بالعقوبة ... وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بربه [مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا] رواه مسلم. والشاهد فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بربه من القلوب التي لا محل للخشوع فيها فدل على أن تحقيق الخشوع و تحصيله من الواجبات في الحد الذي لا يرخص للمكلف في تركه والتقصير فيه.

وهكذا أحوال العباد في صلاتهم من جهة الخشوع فهم على مراتب، وقد جعلهم ابن القيم -رحمة الله- في بعض كتبه على خمس مراتب:

الأول: الظالم لنفسه الذي تنقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها، ولا شك أن هذه الأمور تؤثر في خشوع العبد، بل إن الإمام يتأثر في خشوعه و إدراكه في صلاته بسبب إخلال بعض المأمومين في طهارتهم، أو في إقامة صلاتهم.

والثاني: رجل يحافظ على المواقيت والأركان الظاهرة والوضوء، ولكنه يضيع مجاهدة النفس في الوسوسة، فهذا مؤاخذ يأتي بالصلاة مستوفية للأركان والشروط، ولكنه في صلاته مستغرق في وساوسه، وأفكاره وخواطره، فهذا ليس له من صلاته إلا ماعقل، وغاية ما في الأمر أن تكون هذه الصلاة مجزئة، أي مسقطة للمطالبة، ولكنه قد لا يثاب عليها، أو أنه لا يثاب إلا على القدر الذي عقله فحسب.

وأما الثالث: وهو من حافظ على حدودها و أركانها، وجاهد نفسه بدفع الوساوس، فهذا مشغول بين صلاة وجهاد، يحاول أن يستحضر ويجاهد الخواطر، فهذا مأجور على مجاهدته، مأجور على صلاته، ولكنه ليس في المرتبة العالية. وأما الرابع: وهو فوقه، وهو من قام إليها، فأكمل حقوقها، و أركانها، واستغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه، فهذا لا تشغله الوساوس، ولا ينشغل بمجاهدة النفس، و إنما شغله في التكميل.

وأما الخامس: وهو أعلى هذه المراتب، وأرفع درجات الخاشعين في الصلاة، وهو إضافة إلى ما سبق من تحقيق الشروط والواجبات والأركان، وحضور القلب، إضافة إلى ذلك فإنه قد امتلأ قلبه محبة لله وعظمة، وإجلالًا له تعالى، يصلي كأن الله يراه، وكأنه يرى ربه جل جلاله؛ فتندفع عنه تلك الوساوس التي عند الآخرين والخطرات، ولا تأتي إليه أصلًا، ولا تجد طريقًا إلى قلبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت