فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 88

الموقف الثاني: هو موقف المصيبة: فكثير من الناس يحسن الكلام عن الصبر، وعن الثبات، وعن الإيمان، وعن الجزاء الذي يعطيه الله عز وجل للصابرين في الدار الآخرة، وما أعد لهم من النعيم المقيم، ولكنه إذا وقعت المصيبة؛ اضطرب وتحرك قلبه، فجزع، ولم يثبت ولم يصبر، وإنما كان متسخطًا على ربه تبارك وتعالى معترضًا على أقداره، والله عز وجل يقول: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [155] الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [156] } [سورة البقرة] .

فمن كان متحققًا باليقين؛ فإنه عند المصيبة يكون رابط الجأش، ثابتًا، صابرًا، حابسًا للسانه عن التسخط، ولجوارحه عن فعل ما لا يليق من شق جيبٍ، أو لطم خدٍ، أو نحو ذلك مما يفعله من لا يقين عندهم، فهذه أمور قد لا تتبين في حال الرخاء، وإنما تتبين في حال الشدة والمصائب. ولربما أبتُلي العبد المؤمن، فسخط على ربه أن ابتلاه بهذا البلاء، والله عز وجل ابتلاه ليمحصه ولم يُبتل ليهلك. ابتلاك الله عز وجل ليرفعك من درجة إلى درجة، ومن منزلة إلى منزلة، وتُبّلَّغ بهذا البلاء منازل عند الله عز وجل في الجنة لا تبلغها بعملك، فإذا نزلت بالعبد المصيبة التي تهيئه لذلك المقام في الجنة:

قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

فسرعان ما ينتكس العبد، ويتبرم، ويتسخط على ربه، ويعترض على أقدار الله تبارك وتعالى، فهذه أمور تظهر في حال الشدائد .. ولربما دعا إلى الله عز وجل، ولربما جاهد في سبيله، ولربما بذل ماله، ثم يبتلى فيتسخط، ولربما عاهد الشيطان بأن يتوب إليه توبة نصوحًا عن فعل الخير، وعن صحبة الأخيار والصالحين، وأن يقطع ذلك أجمع؛ لئلا يقع به مثل هذا المكروه الذي ناله، فهذا ليس له نصيب من اليقين.

الموقف الثالث: في حال الحاجة: فإذا احتاج العبد وافتقر إلى المخلوقين، إلى مَالِهِم في فقره في دنياه، أو احتاج إليهم في شئ من الأشياء في دنياهم، فإنه بذلك يختبر يقينه، فإذا كان قلبه يتلفت إلى المخلوقين، ويتطلع إليهم، ويتعلق بهم لينال ما عندهم؛ فإن قلبه لم يتحقق باليقين بَعْدُ. وأما إذا كان قلبه متوجهًا إلى الله وحده لا شريك له، لا يلتفت إلى أحد من المخلوقين، ولا يتعلق بهم؛ فإن هذا اليقين هو اليقين الكامل.

الموقف الرابع: في حال الغنى: فمن الناس من لا يصبر إذا أغناه الله عز وجل، فيصل به ذلك إلى الكفر، لربما قال العبد: إنما أوتيته على علم عندي، وينسى أن الله عز وجل هو الذي أعطاه وأولاه، وأن الله عز وجل هو مالك الملك وأن العطاء بيده، وأن الكون ملكه بما فيه، ينسى هذا ويقول: إنما أوتيته على علم، إنما حصلته بجدي واجتهادي وجهدي، وتحصيلي وذكائي وعلمي بوجوه المكاسب، ولربما قال: حصلته وورثته كابرًا عن كابر، ولربما قال غير ذلك مما يكون فيه نسيان المنعم، والذهول عن مقام استشعار إنعامه وإفضاله على العبد، فيكون بذلك كافرًا لنعمة ربه جل جلاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت