اليقين ما الله به عليم. وكان يقول في سجوده وهو محبوس:'اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك'. كان يردد ذلك.
وقال لابن القيم مرة:'المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه'. هذه حقيقة الأسر، فإذا كان الإنسان مأسور البدن إلا أن قلبه طليق مرتبط بالله عز وجل، فأي أسر مع هذا الاستشعار؟! قلبه مرتبط بيد الله، فهو يعلم أن هؤلاء الذين أسروه أمرهم بيد الله، وأنهم خلق ضعفاء، وإنما ابتلاه الله عز وجل بهم؛ لينقله إلى مراتب في الجنة لا يبلغها بعمله، ولهذا يتمنى أهل البلاء في الدار الآخرة أن لو قرّضوا بالمقاريض؛ لما يرون من الجزاء على هذا البلاء، فهو يشاهد هذه الحقائق ... نعم قد أسره عدوه، ولكنه يعلم أن حركات هذا العدو وسكناته، وأن هذه القيود التي توضع في يده ورجليه أن الله عز وجل قد قدر ذلك، وأنه لا يَدَ لَهُ هو في دفعه ورفعه عن نفسه، فهو يتقلب في مرضاة الله عز وجل، ويسكن عند ذلك، ويعلم أن الله عز وجل ما فعل به ذلك ليهلكه، وإنما فعل به ذلك ليرفعه، وليعلى درجته، وأن هذا من جهاده ومن تمام عمله، وأن أجره يجرى عليه بلا توقف، فإذا استشعر العبد هذه الأمور لربما تمنى دوامها مع دفع بعض الأمور العارضة التي قد لا يرتضيها إذا كان الذي أسره أحد من الكافرين لئلا يكون للكافر عليه سبيل.
يقول ابن القيم رحمه الله يصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: لما دخل إلى القلعة -سجن القلعة- وصار داخل سورها نظر إليه- ماذا قال؟ هل جزع؟ هل قال: أنا مستعد للمساومة؟ أنا مستعد لتراجع عن هذه العقيدة التي أعلنتها أمام الناس ودعوت الناس إليها؟ أبدًا- نظر إلى السور، وقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [13] } [سورة الحديد] . لاحظ هذا الاستشعار حينما أُدخل في سجن القلعة، فنظر إلى سورها لم يَخَفْ، وما قال: يا لهف نفسي ما الذي فعلته بنفسي؟ وماذا فعل بي أعدائي؟ ما جزع، وإنما قال لما نظر إلى السور:: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [13] } [سورة الحديد] . ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله، واصفًا له:' وعَلِمَ الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا وأسرّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه'. يقول:'وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا، وقوةً، ويقينًا، وطمأنينةً، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسميها، وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها، وإذا وصل العبد إلى مرتبة اليقين اندفعت عنه الشكوك والريب، ولهذا قال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه الله- وهو واعظ دمشق-:'يسير اليقين يُخرج كل شك من القلب' [نزهة الفضلاء [955] ].