فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 88

سرنا وساروا إلى بدر لحتفهُمُ ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا

هكذا قال ابن القيم رحمه الله في كتاب 'عدة الصابرين' [عدة الصابرين ص 156 - 157] .

وهذا المثال يبين أثر اليقين في سلوك العبد، حيث يزهده فيما في أيدي الخلق: دخل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي الكعبة، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، فقال له:'سلنى حاجة -فرصة ثمينة الخليفة يعرض عليه أن يسأله ما شاء، اطلب، فماذا قال؟ - قال:'إني لأستحي من الله أن أسال في بيته غيره'. فلما خرجوا قال له:' فالآن سلني حاجتك، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم حوائج الآخرة؟ - طبعًا حوائج الآخرة لا سبيل إليها، لا سبيل إلى تحصيلها من قِبَل المخلوقين، هم لا يستطيعون أن يعطوك شيئًا من أمور الآخرة- قال:' بل من حوائج الدنيا' قال:' والله ما سألت الدنيا من يملكها -يعنى الله، يقول: أنا ما دعوت قط ربي أن يعطيني شيئًا من حُطام الدنيا- ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها! '.

لاحظتم .. اليقين كيف يؤثر؟ هذه فرصة ثمينة لا تعوض عند كثير من الناس، يعرض عليه الخليفة، أو الملك أن يطلب ما شاء، فهذا يأبى أن يسأل حاجة من هذا المخلوق، ولذلك قيل:'أنفع اليقين ما عَظَّم الحق في عينك -

أن تُعظّم الله عز وجل، وتُعظّم أمر الله جل جلاله- وصغّر ما دونه عندك- فمن الخلق؟ وما غنى الخلق؟ ماذا عندهم إزاء غنى الله عز وجل؟ - وثبّت الرجاء والخوف في قلبك'.

* أمر رابع مما يثمره اليقين: الانتفاع بالآيات والبراهين [انظر: مدراج السالكين 2/ 397] : فالله عز وجل يقول: وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [20] } [سورةالذريات] نحن نشاهد الإنسان الذي عنده يقين راسخ إذا مر بآية من الآيات الكونية، أو مر بآية من الآيات الأرضية، إذا شاهد مكانًا للمعذبين؛ فإنه يرق قلبه، وتتمالكه مشاعر كثيرة لا يستطيع أن يُعبر عنها، ولربما دمعت عينه وبكى، وأما الآخر: فهو ينظر إلى هذه الأشياء، وقد علق كاميرا في عنقه، يضحك ملء فيه، ولا يُحرك ذلك في قلبه ساكنًا، فالآيات إنما تُؤثر وتُحرك نفوس أصحاب اليقين، أما أهل الغفلة، فإنهم لا ينتفعون بها؛ ولهذا يقول الله عز وجل: وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [105] } [سورة يوسف] .

الخامس: مما يؤثره اليقين: الصبر: ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن له، ويتنعم به، ويغتذي به وهو اليقين [الاستقامة 2/ 261] . والعبد إذا كان فارغ القلب؛ لم يصبر، وإنما إذا كان له شئ يتنعم به، ويتلذذ به، ويركن إليه؛ فإنه يركن، ويصبر، ويسكن، فلا يصدر منه شئ يخالف مقتضى الصبر.

وعلى حسب يقين العبد بالمشروع؛ يكون صبره على المقدور، كما قال الله عز وجل: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [60] } [سورةالروم] فأمره أن يصبر، وأن لا يتشبه بالذين لا يقين عندهم لعدم الصبر، فإنهم كما قال ابن القيم رحمه الله:'لعدم يقينهم عُدِمَ صبرهم، وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت