فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 88

تحقيقًا لا تعليقًا، والله إنكم منصورون، والله إنكم منصورون، والله إنكم منصورون. وكان ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله أنهم انتصروا في هذه المعركة، فكان ذلك سببًا لانكسار التتر، فَهُزِمُوا بعدها في وقائع، ودخل طوائف الإسلام، فصاروا يجاهدون في سبيل الله عز وجلّ، وذهب شيخ الإسلام إلى كبيرهم، وأغلظ له القول، وتهدده، وتوعده، وزجره، ورماه بالكفر، وأنه على دين جده من الوثنين والكفار، ونهاه عن أموال المسلمين، وعن دمائهم، وتكلم له بكلام غريب، حتى إن الوفد من الفقهاء والقضاة الذين ذهبوا مع شيخ الإسلام كانوا يُشمِّرون ثيابهم لا يصيبهم دم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فما كانوا يشكون أن رأسه سيطير أمامهم؛ لأن هؤلاء التتر كان فيهم من البطش، والكبرياء، والصلف شئ لا يقادر قدره، فلما انصرفوا من عنده؛ قالوا لشيخ الإسلام: ماذا صنعت؟ كدت تذهب بنفوسنا معك، ثم قالوا والله لا نصحبك بعد اليوم، فذهبوا من طريق آخر، وذهب من طريق، فتعرض لهم بعض قطاع الطرق؛ فسرقوا كل ما معهم من متاع، وقد لبسوا أحسن الثياب، فسُرِقت، وسُرِقت دوابهم، حتى جُرِّدُوا من ملابسهم، ورجعوا إلى البلد بهذه الحال.

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية، فتبعه الأمراء من التتر، وكثير من الجنود، وما دخل البلد إلا ومعه موكب حافل من القادة والجند، يطلبون منه الدعاء، ويتبركون بدعائه رحمه الله، فانظر كيف صنع اليقين لشيخ الإسلام رحمه الله.

* الرابع عشر: مما يورث اليقين: أن صاحبه لا يعرف اليأس مهما طال ليل الظالمين ومهما امتد الظلام: فإن بعد الليل انفلاق الفجر ولا محالة، فالليل مهما طالت ساعاته ومهما اشتدت ظلمته فإنه يزول وينفلق عن بياض الصبح، فأهل اليقين لا يعرفون اليأس، وبالتالي فمهما وقع على الأمة من مصائب، وبلايا، ومحن ونكبات، وتسلط الأعداء؛ فإن أهل اليقين تختلف مواقفهم عن غيرهم من الناس، فمنَ ضَعُف يقينهم؛ يرضون بالأمر الواقع، ويدعون إلى التسليم، والاعتراف بالأمر الواقع بزعمهم، والانخدال للعدو، والاستسلام له.

وأما أهل اليقين: فيصبرون، ويثبتون، ويفعلون ما في وسعهم، وطاقتهم، والله عز وجلّ لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ثم بعد ذلك إذ أقدرهم الله عز وجلّ، ومكنهم من رقاب عدوهم؛ استعملوا معه ألوان العزائم التي أمرهم الله عز وجلّ بها، وشرعها لهم، فلسان حال الواحد منهم، وقد أخذ العدو بلده يقول:

يا درُ مجدُك لن يضيع فأّمّا ... خيرا ولا تَستَرسِلي بُكاء ...

فالحاقدون سَيُغْلَبُون وإن همُ ... حشدوا جُيوشَ البغي والإفناء

أم ألَّبوا قومًا على قوم ولم ... يَدَعُوا سبيل المين والإلهاء

فلتصبري الثبر الجميل فـ ... إنه تاج اليقين وحلية العظماء

فيصبرون، ويثبتون على مبادئهم، ولا يعرفون شيئًا اسمه الأمر الواقع، أو التسليم بالأمر الواقع، وهؤلاء هم الذين يغير الله على أيديهم وإن طال الزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت