فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 88

تجد الفرق؟ بل وربما تكلم الإمام أو تكلم غيره في صلاة التراويح عن تفسير بعض الآيات فإذا قرئت؛ رأيت فرقًا شاسعًا بينها وبين غيرها من الآيات التي لم تُفسر، وهذا شيء مشاهد. فمعرفة معاني القرآن تجعل القلب يستغرق في تدبره والتفكر في معانية، حتى أن القلب يخشع عند ذلك، بل لربما خشع الإنسان عند تسميع القرآن، يسمع لغيره قد لا يتحمل، وكان أبو بكر رضي الله عنه قريب الدمعة، كثير البكاء، لا يتمالك نفسه إذا صلى، ولذلك لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أن يصلى أبو بكر بالناس اعتذرت عنه عائشة رضي الله عنها بأنه رجل رقيق لا يتمالك إذا صلى وقرأ القرآن فإنه يبكي.

فأقول: معرفة معاني القرآن؛ طريق للتدبر. والتدبر طريق للفهم والاتعاظ والاعتبار والخشوع؛ لذلك كان السلف رضي الله عنهم يقرأ الواحد منهم آية واحدة، ويقوم يرددها إلى الفجر يبكي. هذا مالك بن دينار رحمه الله كان يقرأ قول الله عز وجل: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... [21] { [سورة الحشر] ثم يقول: ' أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صُدع قلبه'. ويقول ابن مسعود: ' إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم' وهم الخوارج. هذه صفة قبيحة ينبغي للمؤمن أن يتباعد عنها لئلا يكون متصفًا بصفة هؤلاء الذين ذمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال أبو عمران الجوني رحمه الله:' والله لقد صرف إلينا ربنا في هذا القرآن ما لو صرف إلى الجبال لمحاها ' وكان الحسن يقول:' يا ابن أدم إذا وسوس لك الشيطان في خطيئة، أو حدثت بها نفسك فاذكر عند ذلك ما حملك الله في كتابه مما لو حملته الجبال الرواسي لخشعت وتصدعت. أما سمعته يقول: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... [21] { [سورة الحشر] '.

الأمر الثامن: مما يورث الخشوع: وهو ترك التكلف في كل شأن من الشؤون: ولذلك أقول: من الأحسن أن يصلي الإنسان في كل مكان لا يتكلف لأحد فيه، وأن يصلي في مكان لا يكون بجانبه أحد قد يجد نفسه تشده لأن يتكلف لهذا الإنسان، يجعل الله أمام ناظره ولا يلتفت. وهناك أمر يذهب الخشوع على الإمام، وعلى المأمومين، وهو التكلف في الدعاء، حينما يتكلف الإنسان أن يأتي بالدعاء على غير سجيته المعهودة فيه كما لو كان من عادة الإنسان أنه يلحن، فصار يحاول أن يأتي بالدعاء موزونًا معربًا، فإن ذلك يكون مدعاة لذهاب الخشوع وليس هذا دعوة للحن، و إنما أقول: ينبغي في الدعاء أن يحرص الإنسان أن يدعو على سجيته، ولهذا فإن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله لفت النظر إلى هذا المعنى, وكان يقول: إن الله يسمع دعاء الداعين سواء كان مسجوعًا، أو ملحونًا، سواء كان معربًا أو غير معرب بمعنى أنه إذا تكلف الإنسان السجع في الدعاء، فإن ذلك يذهب عليه الخشوع، وكذلك إذا كان العبد يتكلف الإعراب فيه، يعني أن يأتي به على وزان لغة العرب فإن ذلك يذهب الخشوع. يقول شيخ الإسلام: بل ينبغي للداعي إذا لم تكن عادته الإعراب أن لا يتكلف الإعراب، وقد قال بعض السلف إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع، يقول شيخ الإسلام: ' وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس به، فإن أصل الدعاء في القلب واللسان تابع للقلب '. فإذا كانت العناية بإصلاح اللسان فإن ذلك يؤثر في القلب ولا بد. يقول: ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت