الكفر)؛ ففي هذه الحالة الخاصة فقط يشترط الكفر القلبي، لأن العمل قد امتنع نفوذ أثره بسبب أحد الموانع المذكورة؛ حيث لم يعد بالإمكان تكفير الشخص بمجرد العمل لوجود الإكراه أو التأويل أو غيره.
ومثال ذلك: أن شخصًا ما لو تكلم بكلمة الكفر مكرهًا أو خطأ فإنه لا يكفر إلا إذا صاحب ذلك قصد الكفر وانشراح الصدر به، فإذا قصد الكفر وشرح به صدره فإنه يصبح كافرا حتى مع وجود الإكراه أو أي مانع من موانع تكفير الشخص المعين.
فتنبه لهذا تكن على بينة مما يخلط فيه المرجئة!
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولكن من شرح بالكفر صدرًا من المكرهين فإنه كافر أيضًا" [1] .
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن ابن القيم إنما يشترط (قصد الكفر) و (شرح القلب بالكفر) في الشخص الذي تلبّس بعمل مكفر ولكنه معذور بسبب الجهل أو الخطأ أو التأويل أو الإكراه أو بسبب خاص كما حصل للحجاج بن علاط رضي الله عنه [2] ، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
(1) ابن تيمية، الصارم المسلول، ص524.
(2) انظر قصته عند: البيهقي، دلائل النبوة، 4/ 265 - 266؛ وابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ، 2/ 151؛ وابن كثير، البداية والنهاية، 4/ 216؛ وملخّص ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبيهقي من طريق معمر قال سمعت ثابتًا البناني يحدث عن أنس قال:"لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله، إن لي بمكة مالًا وإن لي بها أهلًا، وأنا أريد إتيانهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك، وقلت شيئًا، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء"الحديث.
والسر في عدم كفر الحجاج بن علاط رغم نيله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو عدم قصده للكفر بقلبه، وإلا فسيصبح من الجائز لكل شخص أن ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما أراد تحصيل ماله من العدو!!
فالسر في عدم كفر ذلك الصحابي هو أن النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلق بحق خالص لرسول الله، وله أن يتنازل عن حقه لمن أراد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"إن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يعفو عمن شتمه وسبه في حياته، وليس للأمة أن يعفو عن ذلك، يوضح ذلك أنه لا خلاف أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه بعد موته من المسلمين كان كافرًا حلال الدم" [الصارم المسلول، ص226] .
فاحفظ هذا، واحذر من تلبيس المرجئة.
فتنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن حقه لأحد يعتبر سببا خاصا مانعا من لحوق الكفر بذلك الشخص، فلا يكفر بعد ذلك إلا إذا شرح صدره للكفر، مثله في ذلك مثل المكره، ولكن من نال من صلى الله عليه وسلم بدون وجود ذلك السبب الخاص أو بدون وجود الإكراه أو غيره من الموانع فهو كافر حلال الدم بإجماع المسلمين لم يخالف في ذلك إلا مرجئة العصر.