فإذا تبين لك هذا، أدركت منتهى الشذوذ الذي تلبس به (أدعياء السلفية) ، حين جعلوا الشارب أو السارق بمجرد معصيته مستحلا (استحلالا عمليا) ، حتى يتسنى لهم تبرئة الذين تضمنت قوانينهم استحلال ما حرم الله وتبديل شريعة الرحمن.
فتأمل شناعة المقصد وضلال السبيل!
وغني عن البيان أن تغيير شرع الله وتحليل الحرام وتحريم الحلال قد يكون إما بالقول الصريح، وإما بإحدى طرق الإلزام والتحليل والتحريم المنصوص عليها في أصول الفقه، مثل النص على أن هذا الفعل الذي حرمه الله تعالى لا عقوبة على صاحبه، أو له عقوبة مخالفة لما وضعه الله، أو السكوت عن تجريم ذلك الفعل، كما هو الحال في القوانين الوضعية؛ أو التنصيص على تعطيل أفعال أباحها الله تعالى أو أوجبها، وما إلى ذلك؛ وليس كما يعتقد (أدعياء السلفية) من أن التحليل والتحريم إنما يكونان فقط بأن يصرح الشخص بأنه يعتقد بقلبه أن الحلال حرام أو أن الحرام حلال (أي أن يكذب بقلبه وينكر ما شرعه الله) !!! فالأصل عندهم هو (الكفر القلبي) حتى بالنسبة لهذا الأمر الذي لا يشك مسلم أن مجرد القول به أو النص عليه كفر مجرد بذاته!!
ولا شك أن الاستحلال أو التبديل منشأه الاعتقاد القلبي، لأن فساد الظاهر يستلزم فساد الباطن، ولكن إجراء الأحكام الشرعية -ومنها الحكم بالكفر- لا اعتبار فيه لذلك، لأن مناط الأحكام هو الظاهر فقط، إلا أن يوجد مانع شرعي معتبر، كالجهل أو الخطأ أو الإكراه. فقول الإنسان عن الحرام المجمع عليه: حلال، أو تحريمه لما أُجمع على إباحته شرعا، كفر مجرد بالإجماع، مع قطع النظر عن الاعتقاد وجودا وعدما؛ وإليك نصوص أهل العلم المصرحة بهذا والقاضية ببطلان مذهب (أدعياء السلفية) في هذا الباب.
يبين الإمام ابن حزم حقيقة التحليل والتحريم من دون الله، في قول بديع كأنما أنشأه رحمه الله ردا على مزاعم (أدعياء السلفية) الذين يشترطون في تكفير الذي (يحلل ويحرم) من دون الله، أن يكون مستحلًا لاستحلاله"استحلالًا قلبيًا اعتقاديا"، وإلا فاستحلاله كفر عملي غير مخرج من الملة!!! فيقول رحمه الله تعالى: