"قال الله عز وجل: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ) [1] ، وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيء لا تكون البتة إلا منه لا من غيره، فصح أن النسيىء كفر وهو عمل من الأعمال وهو تحليل ما حرم الله تعالى وهو عالم بأن الله تعالى حرمه، فهو كافر بذلك الفعل نفسه، وكل من حرم ما أحل الله تعالى فقد أحل ما حرم الله عز وجل، لأن الله تعالى حرم على الناس أن يحرموا ما أحل الله" [2] .
ويؤكد شيخ الإسلام أن التحليل والتحريم يكونان بالفعل ويكونان بالإلزام العام [3] مع قطع النظر عن الاعتقاد، فيقول:
"والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله، وشرع ذلك دينا [أي جعله شرعًا متبعًا] ، فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا، بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادًا، أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب، وهو ممن قيل فيه: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) [4] " [5] .
وقد أورد الإمام ابن حزم ما يبين أن مجرد التصريح بالقول بأن الحلال حرام تشريع من دون الله وكفر به، فأخرج بسنده إلى جحادة بن دثار"أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام، وأن يزيد بن أبي سفيان كتب فيهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فذكر الحديث، وفيه أنهم احتجوا على عمر بقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا) [6] ، فشاور فيهم الناس، فقال لعلي رضي الله عنه: ماذا ترى؟ فقال: أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، فإن زعموا أنها"
(1) سورة التوبة، الآية37.
(2) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، 3/ 204.
(3) وهذا ما اعترف به ابن عثيمين في كتابه [المجموع الثمين، 2/ 144] وفي [شرح الأصول الثلاثة، ص] ؛ وقد نقل (الحلبي) في: [صيحته، ص62] نصف كلام ابن عثيمين ولم يجرؤ على نقل باقي كلامه، فانظر وقارن، لترى التلبيس والتدليس!
(4) سورة الشورى، الآية 21.
(5) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 5/ 14.
(6) سورة المائدة، الآية 93.