فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 118

حلال، فاقتلهم، فإنهم قد أحلوا ما حرم الله تعالى، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدهم ثمانين ثمانين" [1] ."

وإذا تحققت هذا، فاعلم أن بين الاستحلال بمعناه العام والتبديل تلازما، إذ مقتضى تبديل شرع الله وعدم التزامه تحليل ما حرم الله، سواء كان هذا المحرم فعلا أو تركا؛ كما أن كل استحلال هو تشريع لما لم يأذن به الله، ولهذا ترى شيخ الإسلام يعبر بهذا عن هذا، ويعتبر تبديل شرع الله وعدم التزامه استحلالا، وفاعل ذلك مكفّر باتفاق الفقهاء.

فيقول رحمه الله:

"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء."

وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين [2] : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله" [3] ."

(1) ابن حزم، المحلى، 11/ 287.

قال ابن تيمية:"وأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، لم تبلغه شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مضعون وأصحابه، لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل" [مجموع الفتاوى، 7/ 371] ؛ وقد سلفت الإشارة إلى أن التأويل والجهل من موانع تكفير المعين، وليس في المجال فسحة لبسط القول في ضابط هذين المانعين.

والمقصود أن الاستحلال بالقول كفر ظاهرا وباطنا مع قطع النظر عن شرط الاعتقاد القلبي، فهذا شرط من شروط الجهمية، فتنبه.

(2) هذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام: هو أن الكفر الوارد في الآية كفر عملي أصغر أي كفر دون كفر ما لم يصاحبه الاستحلال كما قال ابن عباس وطاووس، فإذا صاحبه الاستحلال صار كفرًا أكبر، والمقصود جزما بالاستحلال هنا إنما هو تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله، ومنه عدم الالتزام بالتحاكم إلى شرع الله وتبديله بغيره كما بين شيخ الإسلام آنفا، فإن مجرد تسويغ التحاكم إلى غير شرع الله أو تبديله استحلال، قال ابن تيمية:"ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر" [مجموع الفتاوى، 28/ 217] ؛ أما الاعتقاد فهو لازم للتبديل لا انفكاك له عنه، لأن فساد الظاهر يستلزم فساد الباطن كما تقدم، ولكن الحكم يتعلق بالظاهر، والدليل على ما سبق هو قول شيخ الإسلام:

أ- بالنسبة لمن يلتزم الشرع أي الذي لم يبدله:"وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزله أمثاله من العصاة" [منهاج السنة، 5/ 131] ؛ فهذا هو الحاكم بغير ما أنزل الله الذي يُشترط لتكفيره الجحود والاستحلال.

ب- بالنسبة لغير الملتزم بحكم الله أي الذي بدّله بغيره:"ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر" [منهاج السنة، 5/ 131] . وهذا لا يشترط لتكفيره جحود أو اعتقاد قلبي، لأن التبديل استحلال بنفسه كما بين سالفًا، فاحفظ هذا تنج من شبه الإرجاء والمرجئة.

هذا بالنسبة للقول الأول في تفسير الآية، أما القول الثاني، فهو أن الكفر الوارد فيها هو الكفر الأكبر بمجرد الفعل سواء صاحبه الاستحلال والتبديل أو لم يصاحبه، قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص، تعمدًا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عمومًا" [مدارج السالكين، 1/ 336] .

(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 3/ 167 - 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت