معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف" [1] ."
كذا يقرر شيخ الإسلام وكأنه يصف حال (أدعياء السلفية) ! فلله دره.
ونحن، وإن عقدنا هذا الفصل لبيان الشبه التي تمسك بها (أدعياء السلفية) فيما ذهبوا إليه من أقوال خارجة عن عقيدة أهل السنة، فإن غرضنا ليس الاستقصاء وإنما هو النظر في أمثل ما احتجوا به، حتى إذا تبين تهافت أعتى شبههم، سقط ما بقي بطريق الأولى؛ على أننا عاقدون العزم بإذن الله تعالى على تتبع تلبيسات وشبهات (علي الحلبي) في جزء خاص من هذه السلسلة، مبالغة منا في تحذير المسلمين مما تخطه يد ذلك الرجل، والله تعالى نسأل أن يرزقنا الإخلاص وأن يجنبنا الزلل، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقبل الاشتغال بالنظر فيما تذرّع به (أدعياء السلفية) من شبه، آثرنا أن ننبه على مأخذين قل أن يسلم صاحب بدعة منهما، أما أحدهما فيتعلق بطريقة الاستدلال على البدعة، وأما الآخر فيرتبط بأسلوب مناظرة المخالفين.
أما المأخذ الأول، وهو في الاستدلال، فمقتضاه أن صاحب البدعة يعمد إلى نصوص الشرع فينتفي منها ما يظن أنه موافق لبدعته، وبغض الطرف عن باقي النصوص؛ مع أن منهج الحق يقتضي ضم النصوص بعضها إلى بعض في كل مسألة مسألة، لأن ما يكون عامًا في نص قد يكون مخصصًا في آخر، وما يكون مطلقًا أو مجملا في مكان قد يكون مقيدًا أو مفسرًا في مكان آخر، وهكذا، فلا يتبين الحق في المسألة إلا بضم أجزاء الشريعة بعضها إلى بعض.
قال الإمام أبو إسحق الشاطبي رحمه الله تعالى (باب في مأخذ أهل البدع في الاستدلال) :
"فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا، كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة."
(1) ابن تيمية، المرجع السابق، ص352.