وشأن متبعي الممتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوًا وأخذًا أوليا، وإن كان ثم يعارضه من كلي أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا) [1] .
وعند ذلك نقول:
من اتباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، وبالعمومات من غير تأمل هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس، بأن يكون النص مقيدا فيطلق، أو خاصا فيعم بالرأي من غير دليل سواه، فإن هذا المسلك رمي في عماية، واتباع للهوى في الدليل" [2] ."
وأما المأخذ الثاني، وهو في المناظرة، فمقتضاه أن صاحب البدعة يعمد إلى الأدلة فلا يورد منها إلا ما يظن أنه موافق له، وإلى نصوص أهل العلم فلا يذكر منها إلا ما انتفاه لبدعته، وإلى مخالفيه فلا يذكر عنهم إلا ما يشينهم، فإن حكى عنهم حكى باسمهم وقوّلهم ولم ينقل عنهم.
والحق أن من حق القارىء أن يطلع على الأقوال المختلفة في المسائل المتنازع عليها، ويتعرف على أدلة كل طرف، وأسباب الترجيح بينها، حتى يتبين له الحق، ويظفر بالصواب، ويزول عنه الارتياب، وتندفع عنه الشكوك.
ولكن صاحب البدعة!! يخاف إن هو أورد كلام مخالفيه أن تنكشف عيوب مذهبه، وإن هو أبَان عن مسالكهم في الاستدلال أن يتهاوى صرح بدعته، لذا تراه ينتقي ويختار ويورّي، ويسخو للقارىء بكل كلام إلا كلام مخالفيه، فلا يحكي لهم قولًا، ولا ينصب لهم ذليلًا، ولا يذكرهم إلا لمامًا، فإن ذكرهم ذكرهم بما يحط من قدرهم ويُزري في أعين الناس بهم.
حتى إن القارىء ليتوهم أن المخالفين لصاحب البدعة لا كلام لهم، ولا دليل، بل ولا شبهة! فيأخذ بقوله على أنه القول الأوحد، وبدليله على أنه الدليل الأصوب، وبسبيله على أنه السبيل الأقوم، فيبحصل له من التغرير ما الله بمسببه عليم!!
(1) سورة النساء الآية122.
(2) الشاطبي، الاعتصام، 1/ 178.