فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 111

موسى -عليه السلام- قصص في العنف والمواجهة؛ تبين لنا منهجية كل طاغوت محارب لله ورسله عليهم السلام، وابتلاء لأتباعهم؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ثم بعد الابتلاء يأتي نصر الله، كما قال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ} ، فالقرآن منهج كل مؤمن يؤمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًّا، ولن يكون الفلاح والنجاح والثبات على هذا الطريق؛ إلا بتعظيم القرآن واتخاذه منهجًا في كل صغيرةٍ وكبيرة.

ثالثًا: التضحية، فكلما كان المبدأ عظيمًا؛ كانت التضحية من أجله عظيمة، فمبدأ التوحيد وإقامة شرع الله على الأرض أمر عظيم، ولا يملك الإنسان شيئًا أغلى من نفسه التي بين جنبيه يضحي بها من أجل دينه، فمتى كان هذا هو المقياس الذي يقيس به العبد منهجه ومبدأه أنَّه أعظم من نفسه؛ هان عليه ما دونها {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111] ، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .

رابعًا: الصبر، وعليه مدار الأمر، فبالصبر يكون النصر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وأن النصر مع الصبر"، وقليلٌ فاعله، وهو من أهمّ الزاد مع التقوى في الثبات على الدين وحمل مبدأ التوحيد والجهاد، فقد قال الله تعالى موجهًا عباده المؤمنين المجاهدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200] وقد كان نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في مكة يربي أصحابه على هذا الأصل العظيم في أشد أنواع الابتلاء الذي مرّ بأصحابه، فكانوا يأتونه من شدة البلاء الذي يواجهونه من أعدائهم من كيٍّ بالنار، وضربٍ بالسياط، وغيره من العذاب، فيأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون يا رسول الله: ادع الله لنا، فكان يجيبهم إجابة المربي لأناس سيملكون الأرض بعدل الإسلام، فعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال:"شَكَوْنا إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بُرْدة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تَدْعو الله لنا؟ فقال: قد كان مَنْ قبلكم يُؤخَذُ الرجل، فيُحْفَر له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيها، ثم يُؤْتَى بالمنشار، فيوضَعُ على رأْسه، فيُجْعَلُ نصفين، ويُمْشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يَصدُّه ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يَسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إِلى حَضْرَمَوْتَ، لا يخاف إِلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنَّكم تستعجلون" [رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي] ، وكان يربيهم ربُّهم سبحانه وتعالى بضرب الأمثال على الصبر في البلاء حتى يعلمون أن سنة الابتلاء هي مرحلة من مراحل الطريق لإقامة الدين وملك الأرض.

وقد كان أصحاب الأخدود وما قصّه الله في سورة البروج مسليًّا للصحابة في شدة ابتلائهم، عندما كانوا يُكوَون بالنار، ويوضعون على الأرض في شدة حرّ مكة، ويوضع على أجسادهم الحجارة، يقول تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت