(16 محرم 1433 هـ)
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛
يقول الله سبحانه تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب] .
إنّ لكل دعوة رجالًا يتحمّلون تبعاتها بخيرها وشرها، ويصبرون على كل ما يحل فيها من أذى حتى يتحقق لهم على أرض الواقع مفاهيم دعوتهم، وإن من أعظم الدعوات وأصدقها هي الدعوة إلى التوحيد الذي تكفّل الله سبحانه لهذه الدعوة بالظهور والبقاء، وسخّر لها رجالًا يحملونها ويقومون بها حق قيامها رسلا ًوأنبياء، وكان خاتمهم سيد الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، ثم خَلَفه على تبليغ دعوته أصحابه عليهم رضوان الله، ثم حملها من بعدهم جيل بعد جيل يتحملون في سبيلها شتّى أصناف الابتلاء، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى تكفّل بحفظ دينه برجال يصطفيهم يقيمون هذا الدين ويحمون حماه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال عليه الصلاة والسلام:"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" [رواه مسلم] ، وإن من نِعم الله سبحانه وتعالى على المرء في هذا الزمان أن يصطفيه بأن يكون من هذه الطائفة المنصورة المباركة، طائفة التوحيد والجهاد، وأن أصحاب هذه الطائفة هم ممن قال فيهم صلى الله عليه وسلم:"إن من أشد الناس بلاء؛ الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" [رواه الإمام أحمد] ، فبلاء هؤلاء الرجال أعظم من غيرهم في ما يحملونه من إيمان وغيرة على محارم الله أن تنتهك، ولهذا أحببت أن أقف على قصة عظيمة وما فيها من فوائد لأهل التوحيد الغرباء في هذا الزمان، وكيف كان الابتلاء إذا لزمه الثبات والصبر يكون نتيجة له؛ الفرج والكرامة، وهذه القصة هي قصة أبو الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وكيف مرّ في ابتلاءات عظيمة، وكان عاقبة صبره فيها؛ هي كرامات إلهية، التي يكرم الله بها الموحدين عندما يُظهرون صدقهم في دعوتهم وصبرهم على الأذى فيها، وأن من صفة دعوة التوحيد أنها تعادى عند ظهورها في أي مكان وفي أي زمان من كل مخالفيها، وفي الحديث قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم:"لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي" [رواه البخاري] ، ثم يهدي الله من يشاء بعدها، وهو العليم الحكيم، ولنا أسوة في إمام الحنفية قال عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة] .
فلقد نشأ إبراهيم عليه السلام في دولة كافرة مشركة بالله العظيم، ولها كل مقومات الدولة من رئيس ووزراء ومجتمع وقوة، واصطفاه ربه للتوحيد، وملأ قلبه إيمانًا برب العالمين، وفي هذا المجتمع