ثم تابع العلامة ابن القيم الكلام على ما اشتركوا فيه مع غيرهم فقال:
2 -"أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ و الأقيسة:"
فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا , وأعمق علما، وأقل تكلفا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن، لما خصهم الله تعالى من توقد الأذهان , وفصاحة اللسان , وسعة العلم , وسهولة الأخذ , وحسن الإدراك وسرعته , وقلة المعارض أو عدمه , وحسن القصد , وتقوى الرب تعالى، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم , والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم
(1) ويضاف تقدير سادس فيقال: السادس: أن يكون قد وفق فيها للصواب فتحا من الله وفضلا منه، لما له من الفضل في الديانة وعلو الدرجة فيها، كما كان يحصل لعمر رضي الله عنه من الإلهام، وعليه تصبح التقادير ستة وما يليها هو السابع.
وعقولهم ولاحاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة، وعلل الحديث والجرح والتعديل , ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين.
بل غُنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران:
أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا.
والثاني: معناه كذا وكذا.
وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما
وأما المتأخرون فقواهم متفرقة , وهمهم متشعبة
فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة.
والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة.
وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذت منها شعبة.
وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة.
إلى غير ذلك من الأمور.
فإذا وصلوا إلى النصوص ـ إن كان لهم همم تسافر إليها ـ وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كَلَّت من السير في غيرها , وأوهن قواها مواصلة السرى في سواها.
والمقصود أن الصحابة أغناهم الله تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط.