ينطوي قلب المؤمن على نية حسنة وسريرة صافية؛ فهو لا يريد من مخالفته لأحد إلا تعظيم الحق والبحث عن الحقيقة، ولا غرض له فيما سوى ذلك؛ كتقديس النفس أو الهوية أو الانتصار لهما، ومتى علم الله ذلك منه حصل له من القبول ومحبة الخلق وانتفاعهم به ما يرفع الله به قدره، ويخلد به ذِكْره.
وقد تشوهت هذه المعاني السامية عند بعض الناس؛ فحل محل الإخلاص: الرياء والتصنع، ومحل الحرص على الهداية: محبة النفس والدوران حول الذات وتعظيم الهوية الترابية من بلد أو عرق أو حزب أو عادة ومألوف.
فأصبح النزاع والخلاف المعلن لله وهو في الحقيقة بين الذوات، أو الهويات المختلفة؛ فما أعظم الذنب وأكبر المصيبة إذا جعل المخالف تعظيم الله لافتة يخفي تحتها أخس المعاني الترابية.
وإذا بلغ الأمر هذا الحد فلا تسأل عن الفوضى العلمية، ولا عن التدابر والعدوان على المخالفين من كل فريق.
ومن المعلوم أن البيان للأمة بنشر العلم، والنقض على أهل البدع والمخالفات لا يتوقف على رضا أحد أو سخطه؛ فإن الله تعالى ما أنزل الكتب وبعث الرسل، ولا حمًّل العدول هذا العلم إلا للقيام بواجب نشره ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في"مجموع الفتاوى" (1/ 221) بعد ذكره الرد على المخالف:
( .. وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح، وابتغاء وجه الله تعالى؛ لا لهوى الشخص مع الإنسان: مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد .. أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساويه مظهرًا للنصح، وقصده في الباطن الغضُ من الشخص، واستيفاؤه منه؛ فهذا من عمل الشيطان، و «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى» .. ) .