وحمل في الموضع نفسه اختلاف كلام أحمد في التعامل مع المبتدع بين شدة ولين باعتبار هذه القاعدة؛ فقال: ( .. وكثير من أجوبة الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤول حاله، أو خرج خطابًا لمعين قد علم حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم، إنما يثبت حكمها في نظيرها) ..
.. (فإن أقوامًا جعلوا ذلك عامًا، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات. وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية، فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية .. ) .
وفي موضع آخر (10/ 365) ذكر اختلاف الحال، وأثره في التعامل مع أهل البدع من الطرق الصوفية، وذكر مخالطتهم وبقاء المريد معهم، ثم قال رحمه الله: ( .. وإنما قررت هذه القاعدة ليُحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه .. ) .
وقال (28/ 206) : عن الهجر: ( .. فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله؛ فإن كانت لمصلحةٍ في ذلك راجحة، بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك؛ بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر) .
وقال في الموضع نفسه: ( .. وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع؛ كما كثر القدر في البصرة، والتجهم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك .. وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه) .
ومن مفاسد التعرية ـ التي لا تعتبر القواعد ـ: قطعُ الطريق على أهل المنهج الحق لإصلاح المتبوع والتابع من أهل البدع، أو تقليل شرهما.