وذلك أن الحدود الفاصلة تظل في خرائط انتماءات المخالفين من المشايخ المتبوعين، أو المناهج الدعوية أو الطرق المبتدعة تظل هذه الحدود في تلك الخرائط باهتة، والجدران قصيرة يتنقل الناس بينها؛ فمرة بدخول أهل السنة عليهم دون توجس، ومرة بدخول المخالف عليهم دون تردد، ويتمكن أهل السنة من التأثير على المخالفين دون عوائق تذكر، وتكون الصولة حينئذ للدليل والبرهان؛ ولكن حين تُذكر الأسماء، ويُعَيَّن الأشخاص يتنبه الغافل، وتصبح الخطوط الباهتة في هذه الخرائط ساطعة براقة، وتأخذ الجدران القصيرة في الارتفاع، ويشرع التابع بالبحث عن هويته وانتمائه؛ ليواجه به ما يسميه هو هجوم الهويات والانتماءات الأخرى عليه أو على متبوعه، فتراه يتحصن بهذا من تأثير أهل المنهج الحق، وهذا ما يُفسر بقاء بعض الفرق الباطنية والطرق الغالية المنحرفة في بعض بلدان أهل السنة، وتحت سلطانهم السياسي، ومناهجهم الدراسية، وتوجيه إعلامهم دون تأثير يُذكر، وكان من الأسباب الرئيسة في هذا حملاتُ التحصين التي تبرعنا بها؛ لحماية أتباعهم من خلال الهجر والمقاطعة.
وقد حدثني أحد الدعاة المجربين حين كان في أمريكا، أن شابًا ينتحل أهله عقيدة خلق القرآن والتكفير بالكبيرة، وكان يختلف على المركز الإسلامي هناك، وقد تأثر في بلده بالمدرسين القادمين من بعض الدول الإسلامية؛ فصار يحب أهل السنة ويتقرب منهم؛ فشك أحد الأفاضل في مذهبه؛ فدعاه إلى بيته وامتحنه في عقيدته؛ فَصَدَقه القول بأنه يرى ما يقوله أهله من أن القرآن مخلوق؛ فما كان منه إلا أن طرده من بيته وجرده من مهامه الصغيرة التي أوكلت إليه في المركز، فذهب إلى بلده في الصيف، وسأل علماء بلده عما واجهه به هذا الرجل .. ثم عاد إلى أمريكا، ولكنه عاد بنفس جديد، وقد تسلح بالشبه التي يقول صاحبنا: احتجنا نحن معها إلى متخصص في أصول الدين ليرد عليها.