الصفحة 5 من 38

ترتبط فكرة العدل والفصل في الخصومات ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة الدينية؛ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] ، ومقتضى ذلك أن يكون للمؤمن وازع من دينه يدعوه إلى الخير، ويحجزه عن الشر؛ من أجل ذلك جاءت تعاليم الإسلام تأمر بالعدل والإحسان (سورة النحل: 90) ، والوفاء بالعقود (سورة المائدة: 1، سورة الإسراء: 34) ، وترغِّب في العفو عن المسيء (سورة النحل: 126 - 128، سورة الشورى: 40) ، وتنهى عن قُربان ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء، والسعي في الأرض بالفساد [1] ، ومن شأن هذا كله أن يستتب الأمن بين المسلمين، ويسود السلام عَلاقاتهم بغيرهم.

ومع ذلك فقد وُجدت ظروف وملابسات خفي فيها وجه الصواب، أو التبس الحق بالباطل، أو تعذرت إقامة الأحكام، فظهرت الحاجة ماسة إلى النصح والإفتاء، أو إصلاح ذات البين، أو إقامة حكم عدل، أو نصب قاضٍ يفصل بين المتنازعين، وهذه كلها وسائل مترابطة يسلم بعضها إلى بعض، وتنحو نحو هدف واحد.

وموضوع هذه الورقة يتناول إحدى هذه الوسائل (التحكيم في الفقه الإسلامي) على الترتيب الذي أعده مجمع الفقه الإسلامي، ليشمل العناصر الجوهرية التي تؤدي إلى إماطة اللثام عن أحكامه، وليجيب عن التساؤلات التي تدور اليوم في أذهان المسلمين أفرادًا وجماعات.

فنخصص مبحثًا للحديث عن عموميات التحكيم، وآخر لبيان أركانه وشروطه، ونوضح في مبحث ثالث طبيعة عقد التحكيم، ونستعرض في مبحث رابع أنواعًا خاصة من التحكيم يتطلبها الوضع الراهن، أما المبحث الخامس والأخير فنلقي فيه بعض الضوء على موقف الإسلام من مبدأ التحكيم الدولي.

والله ولي التوفيق.

(1) (( على سبيل المثال: سورة البقرة: 188، 278 - 183، سورة النساء: 2 - 35، سورة الإسراء: 23 - 38، سورة الحجرات: 6 - 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت