المبحث الثالث
طبيعة اتفاق التحكيم
مدى لزوم التحكيم - إلزامية الحكم - تنفيذ الحكم
المراد بمدى لزوم عقد التحكيم: مدى حرية أحد أطرافه في نقضه، وبعبارة أخرى: هل يجب أن يستمر الاتفاق على التحكيم بين الخصمين، وأن يستمر اتفاقهما مع المحتكم إليه إلى حين انتهائه من المهمة التي أسندت إليه بإصداره الحكم؟
يبدو أن الفقهاء قاسوا عقد التحكيم على عقد الوكالة، وهو عقد غير لازم، فذهبوا إلى أن الأصل في التحكيم عدم اللزوم، بمعنى: أن كل واحد من المتنازعين يجوز له نقض التحكيم، وأن المتنازعين يمكنهما عزل المحتكم إليه، وأن المحتكم إليه يستطيع عزل نفسه، وفي كل حالة من هذه الحالات ينتقض العقد، ولا يكون للتحكيم أثر، غير أن هؤلاء الفقهاء قد وضعوا لذلك ضوابط تضمن استقرار التعامل، وتؤدي إلى احترام العقود.
فعند الحنفية: يجوز لكل واحد من الخصمين الرجوع عن التحكيم، كما يجوز لهما ذلك مجتمعين، وفي هذا عزل للمحتكم إليه، بشرط أن يكون الرجوع قبل صدور الحكم، وبعد صدور الحكم لا يكون لهذا الرجوع أثر، ويظل الحكم قائمًا؛ لأنه صدر عن ولاية شرعية للمحكم، كالقاضي الذي يصدر حكمه، ثم يعزله من ولاه؛ (ابن نجيم: 7/ 26، ابن الهمام: 5/ 500) .
وتشعبت الآراء في مذهب مالك، فبينما يرى سحنون ضرورة دوام الرضاء بالتحكيم إلى حين صدور الحكم، يرى ابن القاسم ومطرف وأصبغ أن جواز الرجوع مشروط بعدم البدء في الخصومة وإقامة البينة أمام المحتكم إليه، وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما أن يرجع مطلقًا في اتفاق التحكيم؛ (ابن فرحون: 1/ 43، الحطاب: 6/ 112) .
والمذهب عند الشافعية أن رضا الخصمين هو المثبت للولاية،"واشترط استدامة الرضا إلى تمام الحكم، وحينئذ إن رجع أحدهما قبل تمام الحكم، ولو بعد إقامة البينة والشروع فيه، امتنع الحكم؛ لعدم استمرار الرضا"؛ (الشربيني: 4/ 379، ابن أبي الدم: 1/ 429) .
"وفيه وجه بعيد: أنهما إذا رضيا أولًا، فلما خاض رجع أحدهما، لم يؤثر رجوعه ونفذ الحكم، وهذا الوجه حكاه الإمام - أي إمام الحرمين الجويني - واستبعده، وحكاه الماوردي عن أبي سعيد الإصطخري ولم يستبعده"؛ (ابن أبي الدم: 1/ 430) .
وعند الحنابلة:"لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم؛ لأنه لا يثبت إلا برضاه، فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان؛ أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم"