بأغلبية الآراء، بعد مداولة سرية، متضمنًا أسماء القضاة الذين أصدروه، ومذكرة برأي الأقلية، كما يجب أن يكون الحكم مسبَّبًا وعلنيًّا.
من التعليق السابق على بعض العناصر الأساسية المكونة لنظام محكمة العدل الدولية لا نجد ما يمنع من احتكام المسلمين إليها - بعد دراسة شاملة لموضوع النزاع، وأنه لا يتعلق بالسيادة الإسلامية - إذا كان الطرف الآخر في النزاع من غير المسلمين، وقد سبق أن أشرنا إلى ما ذكره المؤرخون من أنه: كان إذا حدث نزاع بين مسلم وقبطي تقدم المتقاضون إلى مجلس مؤلَّف من قضاة يمثلون الفريقين المتنازعين؛ (وقارن الزحيلي: 766 - 769) .
جماع الحكم في هذه المسألة جاء في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10] ؛ فالإسلام لا يعترف بتقطع المسلمين شراذم أممًا، تدعي كل شرذمة منها استقلالًا سياسيًّا في دولة لها حدود مصطنعة، وتختار داخل هذه الدولة نظامًا خاصًّا بها يجعل من المسلمين الآخرين أجانب عنها، تطبق عليهم من القواعد مثل ما تفرضه على غير المسلمين أو أدنى.
ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن تتعدد الدول الإسلامية، بل لا بد من دولة للمسلمين واحدة، لها إمام واحد؛ لأن في تعدد الدول الإسلامية مظنة للنزاع والفرقة، وهذا منهيٌّ عنه بقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] ، وقال أبو عبيد: المراد بالرِّيح في الآية الكريمة هو الدولة؛ (الماوردي، 7، 37) ، ومقتضى ذلك: أن مسألة احتكام المسلمين في نزاعاتهم الداخلية إلى جهة أجنبية عنهم لا يُتصوَّرُ وقوعُها.
ومع ذلك: فقد لاحظ بعض الفقهاء والمفكرين الإسلاميين الضرورة العملية لوجود أكثر من دولة إسلامية، لكل منها إمام مستقل؛ فقد قال البغدادي:"لا يجوز أن يكون في الوقت الواحد إمامان واجبي الطاعة ... إلا أن يكون بين البلدين بحر مانع من وصول نصرة أهل كل واحد منهما إلى الآخرين، فيجوز حينئذ لأهل كل واحد منهما عقد الإمامة لواحد من أهل ناحيته"؛ (البغدادي، 1981، ص 274) ، وقال إمام الحرمين:"عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخِطَطِ والمَخَالِفِ: غيرُ جائز، وقد حصل إجماع عليه، وأما إذا بعُد المدى، وتخلل بين الإمامين شسوع النوى، فللاحتمال في ذلك مجال، وهو خارج عن القواطع"؛ (الجويني، 1950، ص 425، وانظر جواهر الإكليل: 1/ 251، مغني المحتاج: 4/ 132) ، وقال ابن حزم:"اتفق من"