الصفحة 23 من 38

(الرملي، 8/ 82، النووي، 10/ 6) ، وهذا بطبيعة الحال إذا كان المسلم يمكنه الاعتزال في بلاد الكفر من غير مشقة شديدة.

إذا تقرر ذلك، فإن احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية يدخل في باب الضرورة - بمعناها الموسع - والضرورة تقدر بقدرها، وحينئذ يرخص للمسلم في الاحتكام إلى محاكم غير إسلامية، باعتباره نوعًا من التحكيم الفاسد، الذي ينفذ لموافقة الحكم قواعد القانون الطبيعي، ومبادئ العدالة [1] .

والحديث موصول بالمسألة السابقة، ولكن خصوصية قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين تتطلب وقفة متأنية؛ ذلك أن أحكام الزواج، والطلاق، والنسب، والمحرمات من النساء، وعدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، وتوزيع التركات، ونحو ذلك - قد ثبتت بنصوص من الكتاب والسنة، ومجال اجتهاد الفقهاء فيها محدود؛ فهي أقرب اتصالًا بالعقيدة، والفصل فيما ينشأ عنها من نزاع يقتضي الكثير من الخشية والاحتياط.

والمسلمون الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية على ضربينِ:

1 -أقليات إسلامية تتمتع بقدر من الاستقلال الداخلي أو الحكم الذاتي، إما بنص أو معاهدة، وإما بحكم الأمر الواقع؛ مثل مسلمي الهند والبوسنة والفلبين، وهؤلاء ينبغي عليهم إقامة نظام قضائي شرعي، ويكون تعيين قضاتهم إما بتولية من كبيرهم (شيخ الإسلام - أمير الجماعة - الحاكم) ، وإما بتولية مباشرة من رئيس الدولة أو نائبه (غير المسلم) ، وإما باتفاق من الجالية الإسلامية على شخص تتوافر فيه صفات القاضي ليحكم بينهم، وإما بأي طريق آخر يتناسب وأوضاعهم.

وقد نص الفقهاء على صحة هذه التولية، ومن ذلك ما جاء في فتح القدير:"إذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقلد منه - كما هو في بعض بلاد المسلمين غلب عليهم الكفار ... وأقروا المسلمين عندهم - ... يجب عليهم أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليًا، فيولي قاضيًا ليقضي بينهم، أو يكون هو الذي يقضي بينهم"؛ (ابن الهمام، 5/ 461) ، وفي قواعد الأحكام:"لو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولَّوُا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر: إنفاذ ذلك كله؛ جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا للمفاسد السابقة"؛ (عز الدين بن عبدالسلام، 1/ 81) ، وفي تبصرة الحكام:"القضاء ينعقد بأحد وجهين؛ أحدهما: عقد أمير المؤمنين ..."

(1) (( قرب: فتوى الشيخ محمد رشيد رضا عن مسألة الحكم بالقوانين الإنكليزية في الهند، التي أثبتها في تفسير المنار: 6/ 335 - 338، وقد قرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني - ط دار الكتب المصرية - جـ 8 - ص 303 بمناسبة ترجمة الشاعر النصراني"الأخطل"تحت عنوان:"كان حكم بكر بن وائل"ما يلي: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثنا الخراز، عن المدائني، قال: قال أبو عبدالملك: كانت بكر بن وائل إذا تشاجرت في شيء رضيت بالأخطل، وكان يدخل المسجد فيقدمون إليه، كذلك قرأت في كتاب"مصر في العصور الوسطى من الفتح العربي إلى الفتح العثماني"لعلي إبراهيم حسن، الطبعة الثانية: 1949 م، ص 303، أنه: إذا حدث نزاع بين مسلم وقبطي، تقدم المتقاضُون إلى مجلس مؤلف من قضاة يمثلون الفريقين المتنازعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت