مغني المحتاج - تعليقًا على النووي"ولو حكَّم خَصمان رجلًا": قوله:"خصمان"يوهم اعتبار الخصومة، وليس مرادًا؛ فإن التحكيم يجري في النكاح، فلو قال: اثنان، كان أولى؛ (الشربيني: 4/ 378) .
ولم يشترط الفقهاء الإشهاد أو الكتابة على اتفاق التحكيم، ومع ذلك: فإنهم يستحسنون الإشهاد خشية الجحود؛ (السرخسي: 21/ 63، الدسوقي: 4/ 135، الرحيباني: 6/ 472، العاملي: 1/ 238) ، إلا أنهم يشترطون - لقبول قول الحكَم برضاء الخصمين بحكمه - أن يشهد عليهما في مجلس الحكم؛ (البابرتي: 5/ 502، ابن أبي الدم: 1/ 432، القاري، المجلة الحنبلية: المادة 2095 مع هـ 5) .
بعد استقراء الآراء المتنوعة في الفقه الإسلامي، يمكن القول بأن:"ما يجري فيه التحكيم"يخضع لاتجاهين مختلفين:
1 -الاتجاه الأول: يغلب في التحكيم جانبه الرضائي المستند على إرادة أطرافه، فلا يجيز التحكيم فيما لا تملكه هذه الإرادة؛ (الطرابلسي: 1300 هـ، ص 27) ؛ لأن التحكيم بمنزلة الصلح؛ (المرجع السابق، ص 28) ، ويمثل هذا الاتجاه: الحنفية؛ (ابن نجيم: 7/ 26، الكاساني: 7/ 3) ، وظاهر الروايات في مذهب مالك؛ (ابن فرحون: 1/ 2 - 44، الدردير: 4/ 198 - 199) ، وهو وجه من طريق في مذهب الشافعي؛ (الشربيني: 4/ 379) ، وبه أخذ القاضي من الحنابلة؛ (ابن مفلح: 6/ 440، ابن قدامة: 11/ 484) .
وبناءً على ذلك: لا يصح التحكيم عند الحنفية في الحدود أو القِصاص، أو فيما يجب من الدية على العاقلة، وكذلك لا يصح التحكيم في اللعان؛ لأنه يقوم مقام الحد؛ (ابن نجيم: 7/ 26، الكاساني: 7/ 3) .
وعند المالكية: يجوز التحكيم في الأموال والجراحات، ويمتنع في الحدود، والقِصاص، والولاء، والنسب، والرشد، والسفه، وأمر الغائب، والحبس، والطلاق، واللعان، والعتق، والفسخ لنكاح، ونحوه، وما يتعلق بصحة العقد وفساده،"فلا يجوز التحكيم فيها؛ لتعلق الحق فيها بغير الخَصمين)؛ (الدردير: 4/ 198 - 199، وقارن: ابن فرحون: 1/ 43 - 44) ."
ولا يأتي التحكيم عند الشافعية في حدود الله تعالى؛ إذ ليس لها طالب معين،"وفي وجه من طريق: يختص جواز التحكيم بمال؛ لأنه أخف، دون قِصاص ونكاح ونحوهما؛ كلعانٍ وحدِّ قذف؛ لخطر أمرها، فتناط بنظر القاضي ومنصبه"؛ (الشربيني: 4/ 379) .
وفي الفقه الحنبلي:"قال القاضي: وينفُذ حكم من حكَّماه في جميع الأحكام، إلا أربعة أشياء: النكاح واللعان والقذف والقِصاص؛ لأن لهذه الأحكام مزيةً على غيرها، فاختص الإمام بالنظر فيها، ونائبه يقوم مقامه"؛ (ابن قدامة: 11/ 484) .